.
.
.
.

بغداد تراجع سياساتها النفطية

سمير صبح

نشر في: آخر تحديث:

الذي كان مستحيلاً اعتماده في 2010 عندما أعطى العراق تراخيص وفق أربع عمليات لاستدراج عروض نفطية إلى العديد من الائتلافات المكونة من كبريات الشركات العالمية، بات على ما يبدو مقبولاً اليوم. في تلك الفترة رفض حسين الشهرستاني، وزير النفط ثم نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة فوزير التعليم العالي الآن المعروف بمواقفه المتصلبة، في شكل قاطع مبدأ تقاسم الإنتاج مع الشركات التي فازت بالمنافسات وفرض على هذه الأخيرة اقتطاع نسبة محددة عن كل برميل تستخرجه الأمر الذي قبلت به الشركات على مضض بانتظار ظروف أفضل لتغيير الشروط التي اعتبرتها مجحفة بمصالحها.

لكن هذا الرضوخ يعود من جهة، إلى كون الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بأكبر الحقول الموجودة في جنوب البلاد على غرار حلفايا وغرب القرنة 2 والرميلة الذي يبلغ إنتاجه 1.4 مليون برميل يومياً ولاحقاً حقلي مجنون وابن عمر، ومن جهة أخرى إلى المصلحة في تقديم التجهيزات الضرورية لتحديث المنشآت النفطية المتضررة من الحرب، خصوصاً انتزاع عقود للصيانة لسنوات طويلة، ما سيعوض إلى حد فارق تقاسم الإنتاج.

وراهنت هذه الشركات على التموضع المتميز خلال عمليات استدراج العروض المتعلقة بحقول الغاز غير المستغلة حتى ذلك التاريخ والواقعة في مناطق وسط البلاد وقرب الحدود السورية، خصوصاً حقل عكاس العملاق. لكن الوضع المتفجر أمنياً في ما بعد، دفع الحكومة المركزية في بغداد إلى إلغاء العملية بانتظار أوضاع أكثر استقراراً. واستمر هذا الجمود على مستوى الاتفاقات حتى بداية كانون الأول (ديسمبر) 2014 حين بدأ نوع من التحول التدريجي وبسرية شبه مطلقة بين الأطراف المعنية بنزاع المصالح، أي وزارة النفط العراقية والشركات العالمية.

فجأة في 20 نيسان (أبريل) كشف أحد كبار مسؤولي شركة «بريتيش بتروليوم» (بي بي) النفطية البريطانية العملاقة العاملة في حقول جنوب العراق أن هذه الأخيرة تشحن كميات لا يستهان بها من النفط العراقي في مقابل الأعمال التي تقوم بها على صعيد التنقيب والإنتاج في الحقول المحددة. وبدا أن هذه الشركات المرتاحة على ما يبدو إلى سير العمل تملك النية بالاستمرار حتى استعادة المبالغ التي صرفتها. وهي تحاول التفاوض مجدداً على الشروط التي فرضت عليها في الماضي.

وهذا التحول الذي بدأت ترتسم ملامحه ولو تدريجاً، كان في نظر بعض خبراء النفط العراقيين وعدد من العاملين في الوزارة في حينه ضرورياً فيما كان تصلب الشهرستاني في غير مكانه. ذلك لأن العراق كان خرج لتوه من حرب دمرت بنيته النفطية التحتية ومنشآته وبالتالي، كان في حاجة ماسة إلى مساعدة سواء على مستوى الاستثمارات بهدف تطوير الهندسة النفطية أو لناحية نقل التكنولوجيا التي تملكها هذه الشركات.

بدأت مراجعة العراق لسياساته النفطية. هذا ما يؤكده بعض المقربين من وزير النفط الحالي عادل عبدالمهدي، ولو في شكل غير مباشر، فإعادة النظر في قسم من شروط الاتفاقات التي طبقت وفق عمليات استدراج العروض عام 2010 لها اليوم أسباب موضوعية ومادية. فالسياسة السابقة يجب أن تتلاءم اليوم حكماً مع التغييرات الحاصلة على مستوى السوق النفطية، كما يمكن أن تتماشى مع الوضعية المالية الصعبة التي يمر بها العراق.

يشار إلى أن الانهيار الأخير لأسعار النفط دفع الحكومة إلى تأخير تسديد استحقاقاتها من الديون العائدة للشركات النفطية الأجنبية والمقدرة بأكثر من 20 بليون دولار. فالدولة مضطرة إذاً إلى تسريع عملية تعديل الشروط التي وضعها الشهرستاني، بالتالي القبول، في نهاية المطاف، بمبدأ تقاسم الإنتاج لأن الممانعة لم تعد تجدي في ظل الظروف الضاغطة.

تفيد المؤشرات المتوافرة بأن الحكومة لم تعد قادرةً على احتمال مواجهة النقص الحاد المتزايد في السيولة داخل السوق المحلية كذلك على خفض ارتفاع العجز في الموازنة الأمر الذي يجبرها على إصدار سندات خزينة في شكل متتال، واللجوء أخيراً إلى البحث في إصدار سندار سيادية تطرح في الأسواق المالية العالمية وفق نائب رئيس الوزراء وزير المال هوشيار زيباري. وخلال الزيارة الأولى لواشنطن لرئيس الحكومة حيدر العبادي حيث التقى الرئيس الأميركي باراك أوباما ورؤساء بعض الشركات النفطية العالمية أكد العبادي أن العمل جار لتعديل شروط الاتفاقات النفطية السابقة، وفق مصادر.

إذا كانت بعض القوى المقربة من الشهرستاني داخل وزارة النفط و»المؤسسة الوطنية لتسويق النفط» (سومو) تحاول عرقلة إعادة مراجعة الشروط السابقة في العقود، تشير غالبية المؤشرات إلى أن قرار الحكومة بات في شبه المنتهي وبأن الإعلان عنه لن يتأخر كثيراً من الناحية الرسمية علماً بأن العديد من الشركات غير «بي بي» لم تنتظر حتى، فهي بدأت الشحن لتحصيل مستحقاتها. ويتعلق الأمر بشركتي داتش «رويال داتش شل» و»اكسون موبيل»، ويتوقع أن تلحق بها شركات أخرى.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.