مبشرات ومثبطات في سوق النفط العالمية
المبشرات في سوق النفط العالمية كانت للمدى القصير، وكان مصدرها الوكالة العالمية للطاقة، أما المثبطات فمصادرها متعددة، منها الاقتصادي والسياسي وما أبعد أو أقرب من ذلك.
تتوقع الوكالة الدولية للطاقة في أحدث تقاريرها نمو الطلب لهذا العام 2015 بمقدار 1.6 م.ب.ي بزيادة قدرها 200 ألف ب.ي عن تقديرات سابقة. وبهذا ينمو الطلب بأعلى وتيرة له منذ 5 سنوات. وتتوقع الوكالة أيضا أن يستمر هذا النمو ليصل إلى 1.4 م.ب.ي في 2014، وذلك استجابة لانخفاض الأسعار وبوادر تماسك الاقتصاديات العالمية، خصوصا منها الآسيوية الناشئة (الصين، والهند، والشرق الأوسط).
وبالمقابل، فقد انخفض العرض بمقدار 600 ألف ب. ي في يوليو الماضي؛ بسبب تباطؤ إنتاج أوبيك بمقدار طفيف (15 ألف ب.ي.) إلى (31.79 م.ب.ي) والذي ما زال بالرغم من ذلك قريبا من أعلى قممه الإنتاجية في 3 سنوات. إضافة إلى انخفاض كبير في نمو إنتاج مجموعة الدول المنتجة خارج أوبيك الذي تباطأ من أعلى وتيرة له (2.4 م.ب.ي) سنة 2014 إلى (1.1 م.ب.ي) لهذا العام، ويتوقع أن لا يزيد النمو لهذه المجموعة على 200 ألف ب.ي في 2016.
وبحسب الوكالة الأمريكية لمعلومات الطاقة، فإن الطلب العالمي على النفط سيرتفع من 92 سنة 2015 إلى 93.2 م.ب.ي سنة 2016، وستحافظ أوبيك على نسبتها التي تصل إلى 40% في تغطية هذا الطلب، وكذلك دول الخليج التي ستحافظ على نسبتها الحالية 27%.
أما بالنسبة للأسعار، فيتوقع أن يستقر نفط غرب تكساس القياسي حول 49.62 دولار للبرميل هذا العام، على أن يرتفع إلى 54.42 دولار/برميل سنة 2016. ويتوقع أن يستقر مزيج برنت حول 54.40 دولار/برميل هذا العام على أن يرتفع إلى 59.42 دولار/برميل سنة 2016.
ولكن يبقى الإنتاج، وبالتالي الأسعار، عرضة لتغيرات قد تكون مفاجئة؛ مثل توقف إنتاج بعض الدول داخل وخارج أوبيك كليبيا ونيجيريا والعراق وسورية واليمن والسودان، أو انخفاض كمياته لأسباب فنية كما حدث في البرتا/كندا، حيث توقف إنتاج النفط الصخري في بعض المواقع مؤقتا بسبب حرائق الغابات. أو بسبب عدم الالتزام بالحصص الإنتاجية داخل أوبيك الذي يبدو أنه في سبيله للتفاقم نتيجة للاحتياجات المالية الآنية اللازمة لتمويل عجز الميزانيات ومواجهة تكاليف النزاعات المسلحة وانخفاض الأسعار، ما يغري الجميع بمزيد من الإنتاج لمزيد من التدفقات المالية وإن بأسعار أقل. والخشية أن تتحول المسألة إلى حرب أسعار شبيهة بتلك التي أعقبت حرب تحرير الكويت في العقد الأخير من القرن الماضي، والتي هوت بأسعار النفط إلى مستويات تقل كثيرا عن تكلفة الإنتاج.
ولا بد من التنبيه هنا إلى أنه يجب تخفيف المراهنة على نجاح الصين في تكريك عجلتها الإنتاجية بوتيرة أعلى وزيادة صادراتها بتخفيض سعر عملتها (اليوان) لثلاث مرات متتالية الأسبوع الماضي لتحريك اقتصادها الذي ما زال يعاني من التباطؤ وما زال يلعق جراحات الانهيارات الهائلة في أسواق الأسهم والسندات. فمثل هذه الإجراءات لا يمكن التنبؤ بسرعة الاستجابة لها، وقد تتطلب بعض الوقت لتأكيد نجاحها، وبالتالي فيجب الحذر من زيادة الإنتاج النفطي وإغراق السوق بمزيد من النفط الذي تحول إلى مخزونات كبيرة ظهرت في بيانات الولايات المتحدة ودول منظمة التعاون الصناعي، بما فيها اليابان التي تعتبر واحدة من أكبر أسواق النفط الخليجي. وما ينطبق على الصين ينطبق على باقي الأسواق الآسيوية الناشئة، بما فيها الهند والشرق الأوسط.
ولذلك أرى أن على أوبيك أن تعود إلى دورها المرجح في السوق العالمية للنفط متجاوزة كافة خلافاتها السياسية التي تعيق أداءها لهذا الدور العالمي المميز في الحفاظ على استقرار الأسعار والكميات والإيرادات، خصوصا أن تأثير انخفاض الأسعار، سواء كان مقصودا أو بسبب تزايد المعروض من خارج أوبيك أو عدم الالتزام بالحصص داخل أوبيك، لم ينتج عنه إخراج أو تحييد كميات كبيرة من النفط الصخري والحدي من خارج أوبيك (600 ألف ب.ي)، فالنفط الصخري ما زال ينتج بمعدلات جيدة، بل إن انخفاض الأسعار العالمية أسهم في تعزيز كفاءة إنتاجه وترشيد تكاليفه حتى أصبح منافسا حقيقيا في المدى الطويل، وسيقلل من واردات أمريكا من النفط من 26% من استهلاكها سنة 2014 إلى 15% فقط سنة 2025.
فلم لا نتفق لنبيع كميات أقل بأسعار أعلى ونحافظ على هذه الثروة التي يتوقع أن يتزايد الطلب عليها مع مرور الزمن ليصل إلى 40 مليون برميل لنفط أوبيك وحدها سنة 2030.
* نقلا عن عكاظ