.
.
.
.

هل تعتبر قيمة بيع بترولنا ربحا؟

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

قد يستغرب بعض المحللين والمراقبين، لو قلنا إن بترولنا في دول الخليج غير بترولهم في ولاية تكساس الأمريكية، على سبيل المثال. نحن لا نتحدث في هذا المقام عن طبيعة ونوعية البترول الذي ننتجه ونصدره، فهو، كمصدر للطاقة، مشابه في جميع الأحوال لبقية النفوط الأخرى. ولكن الذي يهمنا هو مقارنة أهمية البترول على وجه العموم بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، حيث اخترناه كمثال، والاقتصاد الخليجي. والذي ينطبق على اقتصاد أمريكا ينطبق أيضا على اقتصاد معظم دول البترول خارج منطقة الخليج. ففي أمريكا يعتبرون عملية إنتاج البترول نوعا من الاستثمار التجاري أو الصناعي. إذ إن الذي يهمهم هو الحصول على مردود مالي صاف مناسب يكون أفضل من لو كانوا قد وضعوا استثمارهم في موضع أو مشروع آخر، ويسمونه ربحا. أما الوضع عندنا شعوب الخليج فهو مختلف تماما من حيث المعنى التعريفي، أو يجب أن يكون مختلفا. فنحن لا نسمي، أو بالأحرى لا نقبل أن يطلق على صافي قيمة بيع بترولنا ربحا حسب المنطق المفهوم لدى المجتمعات الأخرى. هو دخل حقيقي من مصدر ناضب لن يدوم لنا طويلا، ولكنه ليس ربحا من عملية تجارية تقليدية، وهو ما يعني أن الإسراف في إنتاجه لا يعدو عن كونه نوعا من التفريط في هذه المادة محدودة الكمية والعمر.

فما هي، يا ترى، خطورة نعت ما نحصل عليه من صافي بيع البترول بأنه ربح، مثل بيع أي سلعة أخرى، مزروعة أو مصنعة؟ تكلفة إنتاج برميل البترول في معظم دول الخليج متدنية جدا إذا قورنت بالتكلفة الحقيقية في أغلب بلاد الإنتاج. فمعظم إنتاجنا في دول الخليج لا يكلف أكثر من عشرة دولارات للبرميل الواحد. وعندما نبيعه بمائة دولار، وهو السعر الذي كان سائدا لعدة سنوات وحتما سيعود إلى هذا المستوى، نكون قد بعناه بتسعة أضعاف تكلفة الإنتاج. وفي مفهوم البعض من خارج منطقتنا للربح ربما يعتبرون ذلك ربحا بنسبة 900 في المائة. وهو ما قد يثير نوعا من الفزع أو الضغائن عند البعض وربما يولد كثيرا من الحسد. وأقل ما سوف نوصف به هو الطمع والجشع، وهما صفتان لا يمكن قبولهما إذا عرفنا حقيقة وضعنا غير الطبيعي. فالبترول بالنسبة لنا في الخليج ليس مجرد سلعة عادية معروضة للبيع. بل هو المصدر الوحيد لمعيشتنا كشعوب تستهلك ولا تنتج. وبيعه بأي ثمن وأي كمية لا يتناسب مع متطلبات حياتنا الحالية والمستقبلية. فبصرف النظر عن النظرة العامة من المجتمع الدولي إلى البترول وربما اعتباره سلعة عادية تباع وتشترى، إلا أن نظرتنا نحن له يجب أن تكون مغايرة تماما. فهو بالنسبة لنا مصدر اقتصادي واستراتيجي وحيد وناضب، والمادة الناضبة، في عرف الاقتصاد الحقيقي، ليس لسعرها حد أعلى ما دامت تجد من يشتريها. وإذا تطلب الأمر تخفيض الإنتاج من أجل رفع السعر، فليكن ذلك، وهو ما نتمنى تفعيله من أجل الصالح العام لمستقبلنا.

وموجب هذا الحديث، ما نسمع ونشاهد من تصريحات لبعض المسؤولين في دول الخليج من أننا مرتاحون للأسعار الحالية المتدنية، بسبب انخفاض تكلفة الإنتاج في حقولنا. والقصد من التصريح، حسبما يظهر لنا، طمأنة المجتمع الخليجي بأننا لا نزال نبيع بترولنا بربح كبير، وكأن قيمة البترول هي فقط في تكلفة إنتاجه، أما مادة البترول نفسها، وهي القابلة للنفوق، فقليلون هم الذين يقيمونها بما تستحق من الثمن والتقدير. وهي مثل ما ذكرنا آنفا، ليس لها سعر عادل، كما يحلو للبعض أن يسميه. فالقيمة العادلة للمشتقات البترولية تتمثل في أعلى مستوى من الممكن أن يصل إليه السعر تحت الظروف العادية. وما دمنا، نحن شعوب الخليج، لا نملك من الدخل إلا ما يدره علينا البترول، فمن المنطق أن يكون لقيمته تعريف غير ما هو معروف وغير ما تعنيه كلمة "ربح". فالأولى بنا أن نطلق لفظ ربح عندما تكون لدينا سلعة أنفقنا عليها مصروفات تجميع وتصنيع. أما البترول الذي بين أيدينا اليوم فهو من الأصول. وعندما نبيع الأصول، نكون قد فقدنا جزءا مما نملك إلى الأبد ودون تعويض، ما عدا قيمة البيع. وسموها ما شئتم إلا ربحا.

وقد يظن المرء أنه مجرد تلاعب بالكلمات والألفاظ، وهو غير صحيح، فالأمر أكثر عمقا مما نتصور، حيث إن العالم يراقب تصرفاتنا ونحن أفضينا إليهم، وبحسن نية، أن تكلفة إنتاجنا هي الأقل بين شركات إنتاج البترول، وأهديناهم فرصة معرفة ومراقبة كميات دخلنا، وهو الفرق بين تكلفة الإنتاج والنقل والتسويق وبين سعر بيع البرميل. وبما أن الفارق بين سعر البيع والتكلفة بالنسبة لمعظم نفوط العالم ضئيل نسبيا، فيكون ذلك من عوامل لفت النظر إلى ضخامة دخلنا. ومن المؤكد أن معظم المراقبين لن يلقوا بالا إلى كون دخلنا من البترول يمثل كل ما نملك من حطام الدنيا. وهي نظرة طبيعية، فقد كان من المفترض أن نكون أكثر وعيا واهتماما بمصير شعوبنا ومستقبل أجيالنا، فنعمل جاهدين على إيجاد دخل مستقل عن البترول وموازيا له من مصادر، إن لم تكن مستديمة، فعلى الأقل شبه دائمة حتى لا نقع في المحذور في حالة نفوق ثروتنا ونحن لا نزال دون دخل آخر.

ومن أجل تقريب فهم الموضوع إلى الذهن، لنتخيل أن لدينا، في مكان ما، كمية من الذهب نريد صرفها أو تحويلها إلى عملة قابلة للتداول، ويكلفنا توصيلها إلى السوق ريالا واحدا لكل وحدة ذهبية. وتباع الوحدة بسعر مائة ريال. هل نقول إننا نربح في الوحدة تسعة وتسعين ريالا؟ أنت جزأت الأصول ( البترول ) التي تملكها إلى وحدات وما تبيع منها ينقص من أصولها.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.