.
.
.
.

العقار 2021.. من ركود الجائحة إلى الريادة

برونو وهبه

نشر في: آخر تحديث:

تسببت جائحة «كوفيد 19» بتحولات جذرية في قطاع العقارات طالت المالكين والمستثمرين وأصحاب العقارات والمستأجرين والمستهلكين على حد السواء، لكن التطورات الإيجابية لبرنامج التحصين الشامل تدعو للتفاؤل. والآن بعد أن هدأت العاصفة يبقى السؤال الأهم: هل يجب إلغاء الفنادق ومراكز التسوق والمكاتب والمتنزهات ودور السينما أم الإسراع في تطويرها؟

لقد شهدت أكبر الشركات العقارية في دول مجلس التعاون الخليجي انخفاضاً في إيراداتها وقيمتها السوقية بنسبة وصلت إلى 40%، قبل أن يعود الوضع إلى الاستقرار عند مستويات ما قبل الجائحة. وعلى الرغم من تباطؤ بعض الشركات العقارية في الاستجابة، فإن بعضها سرعان ما أعاد تقييم نموذج العمل وتبني الوضع الجديد.

بعد تراجع مشاريع البناء عام 2020 إلى ثلث معدلاتها خلال الخمس سنوات الماضية، أدرك المطوّرون الرئيسيون الحاجة الملحة إلى اعتماد أنظمة إدارة النقد المركزية والحد من النفقات، وتعزيز الميزانيات العمومية. فقد قامت دولة الإمارات العربية بدمج عمالقة الشركات العقارية كمراس العقارية، تحت مظلة دبي القابضة، وترشيد العرض على المستوى الوطني، وشطب إدراج بعض الشركات. أما المملكة العربية السعودية فاعتمدت النمو المحسوب وتوحيد القيادات من أجل هذا الهدف، فيما عمد رواد قطاع العقارات في المنطقة، مثل الدار العقارية، إلى سرعة توجيه أفضل إمكاناتها في فئتها، وتحويلها إلى أعمال آمنة تعتمد على الرسوم وتحقق دخلاً منتظماً طويل الأجل، مع تحقيق مكافآت فورية من قاعدة المستثمرين لديها، في حين عقدت بعض الشركات العقارية شراكات مع رواد النمو في القطاع العام والقطاع شبه العام، للاستفادة من الأجندة الوطنية والمشاريع الضخمة قيد الإنشاء، والعمل في الوقت نفسه على بناء إمكاناتها الريادية في تقنيات البناء من الجيل التالي.

في حين لا تزال الفرص المحلية في قطاع العقارات، من خلال إدارة الأصول المرتكزة على القيمة، إلا أن المطورين الرئيسيين في المنطقة يستعدون بشكل كبير للاستفادة من فرص النمو المتزايدة في الدول المجاورة. وهنا نستطيع القول إن الفرص المتاحة في عام 2021 ستكون من نصيب المطوّرين الأذكياء الذين يُدركون قيمة التوقيت والطلب.

أما بالنسبة لمطوّري ومشغلي مراكز التسوق في المنطقة، فقد كان عام 2020 بالنسبة لهم، من أصعب الأعوام على الإطلاق. فكيف يمكن لقطاع يعتمد على تفاعل الزوار وتجمعهم، الاستمرار، فضلاً عن العودة أقوى بعد الجائحة؟

قد لا يتسنى للمطورين تحقيق ذلك دون إحداث نقلة نوعية في المفاهيم، وتحويل مراكز التسوق من مكان يجمع بين المستهلك والعلامات التجارية، إلى محور النظام البيئي للمستهلك. وقد انتفع رواد هذا القطاع من فرص النمو المتاحة في النظام البيئي للمستهلك، بما في ذلك الاستفادة من المنصات الرائدة للبيانات والتحليلات، كما هو الحال مع مجموعة ماجد الفطيم في دولة الإمارات، وبزيادة حصة الرواد في إنفاق المستهلك من خلال حلول الدفع الإلكترونية، وبالتوسع في سلسة القيمة التي تربط المستهلك بالمنتج.

ومما لا شك فيه أن هذه الجائحة أثرت بشكل كبير على التسوق داخل المتجر، وسيبقى هذا التأثير مستمراً. ومن المتوقع أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي قد بدأت بمسارعة الخطى لتبني التجارة الإلكترونية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ازدهرت فيها التجارة الإلكترونية خلال الربع الأول من عام 2020، بقدر ازدهارها خلال السنوات الخمس الماضية.

لم يعد اختراق السوق عبر الإنترنت خياراً؛ بل بات ضرورة ملحة بالنسبة لمشغلي مراكز التسوق بشكل عام، وفي المملكة العربية السعودية بشكل خاص. واليوم، بات كبار المشغلين يطوّرون منتجاتهم، بما يتماشى مع متطلبات المستهلكين، مثل ممشى الجامعة النابض بالحياة في الرياض. وقد عمد العديد من هؤلاء المشغلين إلى التخلص من بعض أصوله الضعيفة الأداء لدعم مزيد من المجالات الواعدة في أعماله، إضافة إلى حماية المستأجرين؛ الشركاء الحقيقين على المدى الطويل، كما فعلت المراكز العربية في المملكة العام الماضي.

وعلى الرغم من أن الجائحة العالمية لم تكشف عن توجهات جديدة تؤثر في قطاع مراكز التسوق، فإنها أدت بشكل جوهري إلى تسريع تأثيرها في دول مجلس التعاون الخليجي، ودفعت بالمشغلين إلى التطوّر. ونستطيع القول هنا إن الخروج من هذه الأزمة أقوى في عام 2021، سيكون من نصيب القادرين على الانتقال من مالكي مراكز التسوق إلى رواد النظام البيئي للمستهلكين.

إن الشدة التي تأثر بها قطاع الضيافة جراء الجائحة، لم تَطُل إلا عدداً قليلاً من القطاعات العقارية. ولن يستطيع قطاع الضيافة تعويض الخسائر والانتعاش فورياً، حتى وإن عاد الطلب القوي «المكبوت» إلى القطاع من جديد.

وتتصدر حالياً «سياحة العمل» التوجهات الجديدة، بسبب الإرهاق الشديد من العمل لفترات طويلة في المكان نفسه. ومع توقع استمرار محدودية السفر الدولي إلى حد كبير خلال فترة طويلة من عام 2021، فإن السائح المحلي هو الباقي، وقد بدأت فعلاً الشركات الرائدة في قطاع الضيافة بإجراء تعديلات بسيطة لتلبية هذه التوجهات.

وبدأ مشغلو القطاع في الرياض وجدة، بشكل متزايد، في التوجه نحو إعادة تصور الإقامة كتجربة لا تقتصر على الغرفة فقط؛ بل من خلال تقديم تجربة للضيوف تشمل زيارات إلى الأماكن السياحية، مثل مدينة العلا وسباق الدرعية للسيارات، ورحلات سفاري، إضافة إلى المهرجانات الموسمية وغيرها من الفعاليات.

ومع تعافي معدلات الإشغال والإيرادات لكل غرفة متاحة (RevPAR)، يجب أن يكون مشغلو الفنادق قادرين على إدارة الانكماش بفاعلية من خلال إعادة تصميم تجربة الزائر وقنوات المبيعات والتحلي بمرونة أكبر.

في أكثر من ناحية، قد لا يبدو المستقبل مشرقاً بالنسبة لمباني المكاتب، خاصة أن استطلاعات الرأي كشفت أن عدداً متزايداً من الموظفين يفضلون العمل خارج المكتب لفترات أطول، خصوصاً مع تصدر عمالقة التكنولوجيا في العالم مثل «تويتر» و«أمازون» التوجه نحو استمرار تطبيق نظام العمل عن بعد. على الرغم من هذه التحديات التنظيمية، يمكن لمالكي المكاتب تحقيق الازدهار من خلال تبني الحقائق الجديدة للطلب على مساحات المكاتب.

ويجب على مالكي المكاتب في المنطقة أولاً، وقبل كل شيء، التركيز على مصادر الطلب المستقبلية، مثل العاملين لحسابهم الخاص، ورواد الأعمال والشركات الصغيرة. وبحسب استبيان المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن «رواد الأعمال» كان من أسرع التوجهات انتشاراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد حقق نمواً وصل إلى 37% خلال السنوات الخمس الماضية. إن استهداف «العائدين» إلى العمل والمهن التي تتطلب التواصل الشخصي أو التعامل مع العملاء، أو تتضمن توفير أدوات متخصصة لا يمكن توفيرها في نظام العمل عن بعد، يمكن أن يسرع عودة المستأجرين الحاليين للعمل من المكتب واستقطاب عملاء جدد.

لا بد هنا من التنويه بأن احتياجات المستأجرين في «مكتب المستقبل»، ستكون مختلفة للغاية. وسيعتمد الخروج من هذه الأزمة، بقوة، على تلبية هذه الاحتياجات من خلال توفير الخدمات المناسبة وتحديث المكاتب وعقد الإيجار.

*نقلا عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.