.
.
.
.

تمرد "ريديت" ليس إلا مضاربة ملحمية

رون إنسانا

نشر في: آخر تحديث:

يعتقد بعض الأشخاص ممن يتداولون أسهم ال «ميمي» سواءٌ «إيه إم سي» أم غيرها عبر منصة «ريديت» أن ذلك أمرٌ إيجابي للاستثمار بشكل عام، ولا يؤدي بهم إلى الخراب. بل على العكس تراهم يدّعون من جديد بأن «هذه المرة مختلفة تماماً» عن سابقاتها. أما أنا وخلال 37 عاماً، سمعت هذه العبارة المرعبة مرات عديدة.

تتجه الحجة الحالية إلى شيء من هذا القبيل، وبأن الجيش الحالي من الشباب الأكثر تعطشاً والمتداولين الجدد على السلع والعملات المشفرة هم أكثر ذكاءً، مع رأسمال أكبر، وأفضل تعليماً أيضاً من نظرائهم المتقلبين في عام 2007، أو من فيلق «الحمقى» الذين تداولوا أسهم الإنترنت يومياً في عام 1999، أو أنهم أكثر إشراقاً من أولئك الذين شاركوا في جنون الصناديق المشتركة أواخر الستينات، وأنه ببساطة لا توجد مقارنة بين أخطاء السابق وما حدث آنذاك وبين ما يحدث اليوم، ولكني أستطيع أن أقول بشكل واضح جداً بأن هذه المرة ليست مختلفة إطلاقاً عن سابقاتها من الفترات الزمنية والحوادث، وبأن منطق الكثيرين ممن يدّعون ذلك ما هو إلا عيبٌ قاتل.

ما يحدث بين متداولي «روبن هود» وأعضاء ما يسمى «تمرد ريديت»، ليس أكثر من مضاربات مرتّبة ومتتابعة زمنياً، وأعتقد أن علينا الاعتراف بذلك.

هناك من يقول إن هؤلاء المتداولين أكثر تطوراً لأنهم مجرد خيارات، وأن الابتكارات الجديدة مثل التداول الخالي من العمولة، وفروق الأسعار الزهيدة، والتقنيات الحديثة خلقت تكافؤاً في ساحة اللعب لهذه الفترة بالذات، وسمحت لهؤلاء الأفراد بمقارعة كبار المحترفين. صحيح أن التقلب الضمني قد يكون هو القوة الدافعة وراء معظم مكاسب أسهم ال «ميمي»، ولكن الزخم الحاصل من مغريات المال السهل يلعب دوره كذلك.

في جانب متصل، تشترك كل هذه العناصر في حلقات المضاربة السابقة عبر الزمن، بدءاً من التليجراف مروراً بالهاتف وصولاً إلى الإنترنت والكمبيوتر، حيث وفّرت الحوافز المتنوعة والكثيرة فرصاً قصيرة الأجل، ولا يوجد شيء جديد تراه هنا اليوم.

وعلى سبيل المثال، استمرت السوق الصاعدة أو «العشرينيات الصاعدة» خلال العقد الماضي حتى عام 1929 قبل أن يتبع ذلك انهيار مذهل، وكان هذا صحيحاً أيضاً لما يقرب من خمس سنوات خلال فقاعة الإنترنت التي استمرت من أواخر التسعينيات حتى أوائل عام 2000، واستغرقت فقاعة الإسكان عدداً مماثلاً من السنوات حتى تضخمت ثم انهارت، وكذلك استمر جنون الصناديق المشتركة في الستينيات لنحو ثلاث سنوات قبل أن يعوم السوق ويتحرك لاحقاً بشكل جانبي لمدة 18 عاماً تقريباً.

وبينما احتضنت أوائل السبعينيات أسهم «نيفتي 50»، أو الخمسين الأنيقين، وهي عبارة عن مجموعة من 50 سهماً كبيراً تميزت بنمو أرباحها في بورصة نيويورك، مثل «جنرال إلكتريك» و«كوكا كولا» و«آي بي إم»، حافظ عدد قليل جداً من هؤلاء ال 50 على بريقهم لهذه اللحظة.

وبالرجوع أكثر في صفحات التاريخ، نجد أن أفراداً لامعين كإسحاق نيوتن فقدوا ثروتهم في «فقاعة بحر الجنوب»، أو هوس المضاربة الذي حطّم العديد من المستثمرين البريطانيين عام 1720. حينها اكتشف الفيزيائي اللامع أن قوة الجاذبية ليست في الجو فقط، بل أيضاً في الأسواق المالية، كما تم القضاء أيضاً على العديد من المستثمرين الفرنسيين في «مخطط ميسيسيبي»، الذي أثار موجة من المضاربة وانتهى بانهيار مالي، وعلى غرار «بحر الجنوب» خدعت «فقاعة ميسيسيبي» المتداولين اليوميين في القرن الثامن عشر تماماً كما فعل «جنون التوليب» الهولندي، وهو جنون المضاربة الذي يُستشهد به كثيراً في ثلاثينيات القرن السادس عشر والذي بدأ ببيع أزهار الزنبق.

أنا لا أتعاطف مع المستثمرين أو المتداولين الأفراد، بل أحذرهم، فقد يستمر هذا السيناريو لبعض الوقت في المستقبل. ولكن عندما تتغير السياسات، سواء كانت تنظيمية أو مالية أو نقدية، فإن المشهد سيتغير حُكماً.

هناك مفردات تدور داخل كل حلقة مضاربة ملحمية عبر العصور تجعل الأمر يبدو وكأن هذه المرة مختلفة، ولكن ببساطة، الأمر ليس كذلك.

*نقلا عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.