.
.
.
.

المنافسة السكانية

فواز بن حمد الفواز

نشر في: آخر تحديث:

المنافسة بين الصين وأمريكا بدأت تجارية، لكنها سرعان ما تحولت إلى اقتصادية وتقنية وعلمية وجيواستراتيجية، البعد الشامل أخذ المنافسة إلى مراقبة التطورات السكانية لبعضهم. من محاسن الصدف أن نتيجة الإحصاء السكاني ظهرت تقريبا في الوقت نفسه. التكاثر السكاني لبلد ناجح عامل محفز ودافع لمواصلة النمو على أكثر من صعيد. نمو الطلب والتهيئة للتوسع في العرض كلها تتطلب نموا سكانيا أعلى من نسبة الاستبدال. كما أن النمو السكاني ضروري للمحافظة على علاقة متوازنة قابلة للاستدامة لأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي، حيث يستمر أعداد من يمولون النظام للدفع للمستحقين، خاصة أن أغلب أنظمة التقاعد تعاني عجزا فعليا أو أكتواريا، كذلك هناك ضغط لرفع الضرائب لتمويل العجز.

الإحصاء الأمريكي يشير إلى أن نسبة المواليد انخفضت 4 في المائة العام الماضي، أي: نحو ضعف النسبة في الفترة من 2014 - 2019 لتسجل نسبة انخفاض جديدة. نسبة الاستبدال كما تقاس بخصوبة المرأة - عدد مواليد المرأة في حياتها، حيث وصلت النسبة إلى 1.64 مولود لكل امرأة، بينما نسبة الاستبدال 2.1، أي: إن هناك نقصا مطلقا في السكان دون هجرة مؤثرة للتعويض. حتى مع الحوافز المالية التي أقرت في 2017 لم تساعد على عكس الاتجاه. في الصين بلغت نسبة المتوسط السنوي للنمو في العقد الماضي من 2000 - 2010، 0.53 في المائة مقارنة بـ 0.57 في المائة في العقد الذي سبقه. بلغت نسبة الاستبدال في الصين 1.696 في 2020، ربما يبدأ العدد في النقص المطلق بعد عام أو عامين. ربما دليل على نجاح الصين السريع تنمويا أن النسبة انخفضت من 5.8 في 1970 إلى 2.3 في 1980، بينما أخذت أوروبا الغربية نحو 75 عاما لتصل من 5.5 إلى أقل من نسبة الاستبدال.

عدد السكان كما يعرف الجميع لا يقارن إذ بلغ تعداد الصين 1.411 مليار مقارنة بأمريكا 331 مليونا، أي: 4.26 ضعف. كذلك من المهم معرفة أن نحو 91 في المائة من سكان الصين من قومية واحدة - الهان، بينما تشهد أمريكا تنوعا يجري ضد الأغلبية، فالأمريكان من أصول إفريقية ولاتينية وآسيوية في تزايد ربما أعلى للاتينية، بسبب هجرة الجوار المكسيكي وغيره النظامية وغير النظامية.

سكانيا هناك ثلاثة اختلافات أساسية الأولى في الحجم، خاصة حين يرتفع مستوى دخل الفرد الصيني من الدخل القومي الإجمالي، ثانيا التنوع السكاني وتباعاته على الخريطة الاجتماعية والسياسية كما بدأت تظهر في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وثالثا الاستعداد لقبول الهجرة والاستيعاب. فمثلا ترددت اليابان في قبول الهجرة واعتمدت على التقنية من ناحية وتمديد عمر التقاعد والسماح بالهجرة على نطاق ضيق للتعويض وربما تأخذ الصين المنحى نفسه. الأحرى أن تعتمد أمريكا على الهجرة أكثر من الصين وتعتمد الصين على التقنية أكثر نسبيا من أمريكا. تخلت الصين قبل عدة أعوام عن سياسة الطفل الواحد وحديثا سمحت حتى بثلاثة أطفال في محاولة للتعويض.

أحد الأسباب الرئيسة لكبح التضخم في العقود الثلاثة الماضية كان التوسع الصناعي في الصين والأجور المنخفضة، ولذلك التناقص السكاني ربما أحد عوامل ارتفاع التضخم الحالي. أي: كانت الحلول العلاجية فالتبعات عليهما والعالم بأسره مهمة، خاصة أن ظاهرة التناقص السكاني أحد تبعات النجاح التنموي والاقتصادي. أحد التبعات الظاهرة نسبة مشاركة المرأة في العمل، ما يغير طبيعة العلاقة والأدوار بين الرجل والمرأة ليؤجل الزواج ويقلل النمو السكاني. يبدو وأعتقد إذا لم أكن مخطئا أن الموضوع السكاني وتبعاته لم يعط حقه بالشكل الكامل من الاهتمام.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.