.
.
.
.

كيف حصل التكامل الاقتصادي والنقدي الأوروبي؟

عبدالعزيز المزيد

نشر في: آخر تحديث:

تكلمنا في المقال السابق عن أهمية التكتلات الاقتصادية لأي بلد وأهمية التكامل الاقتصادي للشأن الإسلامي وكذلك المقومات والمعوقات لتكامل اقتصادي إسلامي ولو بين دولتين فأكثر بجميع جوانبه حيث ان التجربة الأوروبية مثال حي والسؤال هو: كيف حصل التكامل الاقتصادي والنقدي الأوروبي؟

يتكون الاتحاد الأوروبي إلى اليوم من 27 دولة منضمة إلى الاتحاد الأوروبي ومن الدول التي تنتظر للانضمام هي ألبانيا وايسلندا ومقدونيا وصربيا وتركيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكوسوفو. حيث أن هذا الاتحاد بدأ عام 1993 واكتمل عام 2004. المتابع للشأن الأوربي وخاصة بعد الحروب (الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية) والصراعات الدموية بين المذاهب والفرق الدينية نجد أن قارة أوروبا اتعبتها هذه الحروب والنزاعات على مر السنوات ولم تستطع التقدم بالشأن الاقتصادي والتنموي لبلدانها وشعوبها. جاء الوقت للقادة الأوروبيين أن يفكروا بوقف الدمار وخاصة الدمار والخسائر الاقتصادية والتفكير إلى كيفية عمل خطوة جبارة إلى الأمام والتفكير في إقامة نوع من التكتل والتعاون بين دول القارة الأوروبية.

التعاون الاقتصادي الأوروبي مر خلال خطوات ومراحل ولم ينتج الاندماج بيوم وليلة وإنما اتخذ منهجين للوصول الى التكامل الاقتصادي وهما 1) التكامل الاقتصادي الأفقي و2) التكامل الاقتصادي العمودي. التكامل الاقتصادي الأفقي عبارة عن قبول عضوية دول جديدة داخل المجموعة حيث بدأت عام 1973 بانضمام بريطانيا والدنمارك وايرلندا وحتى عام 2004 دول مثل بولندا وقبرص والمجر وغيرها ليصل عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي 27 دولة. وهذه الطريقة بالتدرج بالانضمام للمجموعة ذكرتها في مقالات سابقة بخصوص الاندماج الاقتصادي لدول الخليج العربي حيث من الممكن البدء في 3 دول خليجية والبقية يتم انضمامهم على حسب ظروفهم الاقتصادية والسياسية.

والطريقة الثانية وهي التكامل الاقتصادي العمودي حيث أن هذا التكامل مر عبر سنوات ومراحل كم تم ذكر هذه المراحل من قبل وهي بدءًا بمنطقة التجارة الحرة وانتقالًا إلى الاتحاد الجمركي (1951-1957) ومن ثم مرحلة السوق المشتركة (1958-1968) ومن ثم مرحلة الوحدة الاقتصادية (1985-1992) ومن ثم مرحلة الاندماج النقدي عام 1999م ومن بعدها إصدار العملة الموحدة والتي تسمى باليورو وتم تداولها فعليًا عام 2002م.

من عام 1951 وحتى اليوم والدول الأوربية تعمل على السعي إلى إزالة الخلافات والعقبات القانونية فيما بينها وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات حتى وصلت إلى الاندماج الكامل ولو في مرحلة ثامنة وتاسعة لعملوا الى الوصول اليها. و لا ننسى أن الاتحاد الأوروبي مر بصعوبات وتحديات قد تسبب بفشل المساعي إلى اتحاد أوروبي متكامل ومن ضمنها 1) زيادة معدلات العجز في ميزان المدفوعات لكثير من الدول 2) تقلبات سعر الصرف آخر الستينات 3) انهيار نظام بريتون وودز العالمي وبالمقابل عملت المجموعة الاوروبية على التعديلات وعمل اتفاقيات لتحقيق الرؤية ففي الثمانينات الميلادية عدلت من أهداف سياستها النقدية من خلال إصدار الوثيقة الأوروبية الموحدة و أيضًا لجنة ديلور والتي تقوم بوضع خطوات قيام الاتحاد الاقتصادي والنقدي وإصدار عملة موحدة ومن ثم اتفاقية ماستريخت ووضع التعديلات النهائية لمعاهدة روما. وأيضًا لا ننسى اختيار المجموعة الأوروبية المنهج الوظيفي المحدث للاقتصادي بيلا بالاسا – Béla Alexander Balassa والتي تبدأ من المرحلة الأولى منطقة تجارة حرة إلى المرحلة الأخيرة وهي اتحاد اقتصادي ونقدي حيث أن هذه المراحل السبع هي تمهيد لإطلاق وحدة سياسية بين دول الأعضاء.

العامل المهم في العملية هو القرار السياسي حيث أن القرار السياسي مهم جدًا لأي تجمع أو وحدة. فالإرادة السياسية بين الدول وأصحاب القرار هي الأهم بالعملية تجد أنهم يعملون على المصلحة المشتركة التي تقتضي تجاوز الخلافات البينية بينهم وعدم التأثر بالأهواء الشخصية والتحديات التي حولهم بل بالرؤية الواقعية للأحداث العالمية الاقتصادية والسياسية.

أخيرًا، المحاولات لتكامل اقتصادي نقدي بالعالم خجولة والشواهد كثيرة مثل لا الحصر إقامة منطقة التجارة الحرة وسوق مشتركة في أمريكا اللاتينية وإقامة السوق المشتركة لأمريكا الوسطى ويوجد اشكال من الاتحادات الجمركية في أفريقيا. أما في آسيا والشرق الأوسط وجود رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي والسوق العربية المشتركة ومجلس التعاون لدول الخليج العربي ومجموعة الثماني الاقتصادية وغيرها من المحاولات الغير مرضية. بالمقابل كما ذكرت أن القرار السياسي مهم جدًا للتكامل الاقتصادي لكن الواقع يفرض نفسه ومثال على ذلك الخلافات الموجودة بين الدول الإسلامية لا يمكن أن تحل ولو حصل مشكلة بين دولتين اسلاميتين يمكن أن تؤدي إلى قطع العلاقات. وبالمقابل الاتحاد الأوروبي هو الوحيد حتى الآن الذي نجح على عمل تكتل اقتصادي له ثقل وعلى أسس علمية اقتصادية وسياسية ويضم عدد 27 دولة وتحت مظلة واحدة وقائمة أخرى من الدول الأوروبية في قائمة الانتظار للانضمام للاتحاد الأوروبي.

* نقلا عن صحيفة مال السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة