.
.
.
.

سباق التقنية ينتقل للفضاء

د. محمد راشد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

تشهد الساحة التقنية العالمية سباقا محموما في استكشاف تقنيات جديدة وتوظيفها، إما لتحسين حياة الناس كتطوير وسائل الاتصال أو الترفيه أو لمعالجة مشكلات تتعلق بموضوعات الصحة أو التعليم أو البيئة على سبيل المثال. كما تتنافس تلك التقنيات والاكتشافات على تقليص أحجام المنتجات والأنظمة لتساعد على خفض تكاليف الإنتاج قدر المستطاع مع تحسين الأداء والسرعة معا. وأقرب مثال على هذا التحول هو ما حصل من تطور هائل في صناعة الحواسيب والأجهزة الإلكترونية من حيث السرعة والأداء وصغر الحجم. فالأجهزة الذكية بحجم اليد الواحدة فاق أداؤها الحواسيب المنزلية في ثمانينيات القرن الماضي التي كانت تشغل حيزا كبيرا وتقدم أداء متواضعا.

وفي اقتفاء لأثر التقنية وتطورها بشكل لافت، فقد كان لصناعة الأقمار الصناعية والخدمات المقدمة عبرها نصيب وافر من هذا التطور، خصوصا في الأعوام الأخيرة. فبعد أن كانت أحجام الأقمار الصناعية التي تغزو المدارات الأرضية بحجم شاحنة نقل كبيرة الحجم، تقلص حجمها بفضل تطور صناعة الإلكترونيات والضوئيات وأنظمة الاتصال لتصبح بحجم ميكرويف منزلي. وبتناسب طردي، انخفضت أيضا تكاليف إنتاج تلك الأقمار لتراوح حول ما يقارب المليون دولار. كما أن تكاليف إطلاق تلك الأقمار الصناعية انخفض بشكل لافت بسبب انخفاض أوزانها وللتقدم الذي تشهده المركبات الفضائية الحاملة لها. وقد أسهمت تلك العوامل السابقة في نشأة عديد من الشركات الناشئة المهتمة بمجال الأقمار الصناعية والخدمات المقدمة خلالها. كما استهوت أيضا أصحاب صناديق المال الجريء للاستثمار في تلك المشاريع بسبب النمو المتوقع لهذه السوق الواعدة. وهذا المشهد مماثل لتقنيات أخرى كالتجارة الإلكترونية التي أحدثت سوقا وقيمة جديدة في الوقت نفسه، وزعزعت بعض أسواق البيع بالتجزئة.

إن من أبرز التطبيقات أو الخدمات التي طرأت أخيرا بفضل الأقمار الصناعية صغيرة الحجم أو ما تسمى الـ nanosat هو ما اصطلح عليه بالأقمار الصناعية كخدمة أو satellite as a service، حيث شرع عدد من الشركات في تقديم خدمات شبيهة بخدمات الويب، لكن في الفضاء. تقدم تلك الشركات خدمات إدارة ومشاركة البيانات باستخدام الأقمار الصناعية مع عدد من المستفيدين عبر أولا إطلاق تلك الأقمار، ثم تثبيتها في مداراتها المخصصة وبعد ذلك باستقبال البيانات عبر المحطات الأرضية ومعالجتها.

تتنوع تطبيقات تلك البيانات لتشمل التصوير لأغراض البحث العلمي والاستكشاف، والمراقبة والأمن، والوقاية من الكوارث الطبيعية قبل وقوعها، والأهم من ذلك الاتصال بالإنترنت في المناطق النائية. في عام 2017، أسست الشركة الناشئة لوفت أوربيتال ومقرها في الولايات المتحدة لتقديم حلول متكاملة لإطلاق وتثبيت أي حمولة على متن الأقمار الصناعية الخاصة بها وتقديم خدمات التحكم واستقبال البيانات ذات العلاقة. من الحلول المقدمة عبر تلك الشركة، خدمات اتصالات إنترنت الأشياء، وجهاز استشعار غاز الميثان، وكذلك حمولة للتصوير الفضائي.

من التطبيقات المهمة أيضا للأقمار الصناعية ذات الأحمال المنخفضة توفير خدمات الاتصال بالإنترنت في المناطق النائية أو صعبة الوصول أو غير المجدية اقتصاديا في حال إيصال الإنترنت بالألياف البصرية. حيث سيتمكن المستخدم العادي شراء أدوات استقبال البيانات عبر الأقمار الصناعية بتكلفة لا تتجاوز 99 دولارا لينعم باتصال يربطه بالعالم الافتراضي كما في الخدمات المقدمة من شركة ستارلينك الأمريكية. لكن بكل تأكيد، ذلك مرهون بالأنظمة والتشريعات التي يخضع لها ذلك المستخدم.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة