.
.
.
.

رغم الجائحة، نحن نسير باتجاه جعل قطاع التعدين مورداً رئيساً من موارد الاقتصاد السعودي

خالد بن صالح المديفر

نشر في: آخر تحديث:

تشرفت بتلقي الدعوة للمشاركة في منتدى الاتحاد الخليجي للبتروكيميائيات والكيميائيات "جيبكا"، الذي عقد مؤخراً في دبي، والتحدث إلى ضيوف هذا المنتدى الكبير والمهم. وبحكم طبيعة عملي أدرك العلاقة التي تجمع بين قطاعي التعدين والصناعات البتروكيميائية. وأرى أن قطاع التعدين والصناعات التعدينية في المملكة العربية السعودية سيلعب، أسوةً بقطاع البتروكيميائيات، دوراً رئيساً في بناء مستقبل اقتصادي باهر للمملكة وشعبها، كما سيكون عاملاً بالغ الأهمية لتطوير اقتصاد وطنيّ أكثر تنوّعاً ونموّاً.

لقد كان للتعدين دورٌ مهمٌ في حياة الناس، في شبه الجزيرة العربية، على مدى آلاف السنين، إذ يتفق العديد من العلماء المعاصرين على أن تاريخ التعدين في هذه المنطقة يرجع إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، أُطلقت أعمال التنقيب التعديني في المملكة بأوامر منجلالة المؤسس؛ الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وبدأت، آنذاك، أعمال المسح الجيولوجي بحثاً عن الموارد المعدنية والمائية في البلاد.ومنذ ذلك الحين، واصل هذا القطاع الحيوي نموه وتطوره.

وإذا ما تحدثت عن الوقت الحاضر فإننا اليوم نشهد نمواً متسارعاً في الطلب على المعادن في المملكة، وفي مختلف أنحاء العالم. إذ يسهم الإقبال العالمي الكبير على أجهزة الاتصال والكمبيوترات المحمولة في نمو الطلب على المعادن، التي تشكل مكوّناً رئيساً لهذه الأجهزة. كما أننا، مع ارتفاع وتيرةالتحوّل في مجال الطاقة، سنشهد ارتفاعاً كبيراً في الطلب العالمي على المعادن، حيث تتطلب تقنيات الطاقة النظيفة، بما تشمله من ألواح شمسية ومجمعاتٍ لاستغلال طاقة الرياح وسيارات كهربائية، موارد معدنية تزيد بمعدل يتراوح بين أربعة وعشرة أضعاف قياساً بما تحتاجه المكونات التي تعتمد على الوقود الأحفوري، وسيلعب قطاع التعدين في المملكة العربية السعودية دوراً جوهرياً في تلبية هذا الطلب المتزايد، نظراً لغنى المملكة بالموارد المعدنية المتنوّعة وغير المُستغلة.

ففي إطار رؤية "المملكة 2030" وُضعت تصورات وبرامج لتطوير قطاع التعدين ليُصبح الركيزة الثالثة للصناعة، إلى جانب صناعتي النفط والبتروكيميائيات، إذ يُقدّر الإسهام المتوقع من قطاع التعدين في الناتج المحلّي الإجمالي بـ 240 مليار ريال، بحلول عام 2030م، أي أربعة أضعاف إسهامه في عام 2015م. ولتحقيق هذه الغاية تستثمر الوزارة 14 مليار ريال لتحويل القطاع وتطويره وتعزيز قيمة الموارد المعدنية في المملكة، التي تُقدّر بحوالي 5 تريليونات ريال، لما فيه مصلحة المجتمعات المحلية، واقتصاد المملكة ككل. وأنا فخور كوني شهدت وما زلت أشهد اتخاذ العديد من الخطوات الجوهرية لتحقيق هذه الأهداف.

لقد قمنا أولاً بتطوير استراتيجية تعدين شاملة للمملكة، تشمل 38 مبادرة مصممة لإرساء قواعد قطاع تعدين حيوي مرن ومستدام.

وتتمثل المبادرة الأكبر في برنامج المسح الجيولوجي، الذي أُطلق مؤخراً، حيث تم تخصيص ميزانية تبلغ ملياري ريال لدعم جهودنا الرامية إلى اكتشاف الفرص الاستثمارية التي لا تظهر للعيان، حيث سيعمل هذا البرنامج، على مدى ستة أعوام، على صياغة خرائط جيولوجية مفصلة لمنطقة الدرع العربي،الغنية بالمعادن، والواقعة في غرب المملكة. وسنقوم بإتاحة الوصول إلى البيانات التي سنجمعها من خلال هذا البرنامج لجميع المهتمين، بما في ذلك المستثمرون الحاليون والمستقبليون ليسهم ذلك في خلق بيئة استثمارية جاذبةفي القطاع.

كما أننا، بعد مراجعة شاملة لأفضل الممارسات العالمية في مجال التعدين،أنجزنا مراجعةً شاملةً وحدثنا نظام الاستثمار التعديني، الذي يشكّل البنية التحتية النظامية للقطاع، ويوفر بيئةً واضحة وشفافة ومُيسرةً للمستثمرين في قطاع التعدين. كذلك أطلقنا منصة إلكترونية، على شبكة الإنترنت، باسم "تعدين" تتيح للمستثمرين الحاليين والمستقبليين معالجة جميع "الأعمال الورقية"، بما في ذلك التقدم للحصول على جميع أنواع رخص التعدين، في بيئة رقمية داعمة. كما أننا بصدد إطلاق قاعدة البيانات الجيولوجية الوطنية،التي تضم، من بين أشياء أخرى، حصيلة 80 عامًا من البيانات الجيولوجية ومعلومات الاستكشاف الخاصة بالمملكة.

وتدعم هذه الإجراءات، وغيرها، قدرة قطاع التعدين على الاستجابة للطلب المحلي والدولي على المعادن، كما تُعزز جذب الاستثمارات إلى قطاع التعدين. ولعل من المهم الإشارة هنا إلى أن المملكة العربية السعودية تشهد مستويات طلب كبيرة على المعادن، إذ تعد رابع أكبر مستورد للمواد المعدنية في العالم، الأمر الذي يشكّل فرصة متميزة لإقامة قطاع تعدين محلي متكامل، يسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي، ويوفر الكثير من الفرص الوظيفية في هذا القطاع الحيوي؛ إذ من المتوقع زيادة عدد فرص العمل المتاحة في قطاع التعدين من 250 ألف وظيفة حالياً إلى حوالي 470 ألفاً بحلول عام 2030م.

ونحن نشهد حالياً النتائج المثمرة لهذه الجهود، فعلى سبيل المثال، قطعنا شوطاً واسعاً في مجال سهولة ممارسة الأعمال التجارية.

ضمن جهود المملكة الشاملة في هذا المجال حيث تبوّأت، في أحدث تصنيفات البنك الدولي، مكانة مرموقة بين أفضل 10 دول في العالم من حيث تحسن بيئة الأعمال فيها. ومن جانب قطاع التعدين فقد أصدرنا خلال الأشهر الستة الماضية فقط، 73 رخصة استكشاف، وثمان رخص تعدين.

وهكذا، على الرغم من جائحة كورونا وتأثيراتها السلبية واسعة النطاق، فإن استجابة المملكة بشكل عام كانت رائعة في التعامل مع هذه الجائحة، وواصل قطاع التعدين السعودي مسيرة تقدمه، وحقق إنجازات كبيرة. بل إنه كان لهذه الأزمة دور كبير في تعزيز تركيزنا على مرونة القطاع وقدرته على التعافي.

لقد جعلنا التعامل مع هذه الجائحة رغم صعوبتها واثقين أكثر من أي وقت مضى بأننا نسير على الطريق الصحيحة نحو تطوير قطاع التعدين في المملكة ليصبح الركيزة الثالثة للصناعة الوطنية في المملكة العربية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.