.
.
.
.
اقتصاد

بعض أوجه تجنب الشركات للضرائب

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

يسعى الأفراد والشركات إلى خفض أعبائهم الضريبية قدر الإمكان، وهو أمر منطقي حيث يحاول الجميع تعظيم دخولهم وأرباحهم. ويتحمل الأفراد عادة معظم الأعباء الضريبية، بينما تتجنب الشركات دفع الاستحقاقات الضريبية قدر الإمكان.

وتتميز الشركات عن الأفراد، خصوصا شركات التقنية الكبيرة بقدرات كبيرة على خفض الضرائب المستحقة عليها من خلال استغلال القوانين والأنظمة لمصلحتها، وتوظيفها لمؤسسات ومختصين في خفض الضرائب إلى الحدود الدنيا. في المقابل، تتهم الأنظمة الضريبية وصائغيها بالتحيز لمصلحة الشركات الكبيرة من خلال السماح بوجود ثغرات قانونية لمساعدة الشركات على خفض الضرائب الفعلية إلى مستويات متدنية. أما الدول والمناطق والمدن التي توصف بأنها ملاذات ضريبية، فإنها تخفض نسب الضرائب الرسمية، ويقوم عديد منها بتوقيع اتفاقيات ضريبية خاصة مع الشركات الكبرى لخفض الأعباء الضريبية إلى مستويات متدنية، أو تغض الطرف عن التجاوزات الضريبية لهذه الشركات.

تقوم الشركات الكبيرة، خصوصا في مجالات التقنية، ببعض الممارسات التي تساعدها على خفض الضرائب. ومن تلك الممارسات مثلا إيجاد كيانات ضريبية متعددة للشركة تتمكن فيها من تقسيم أنشطتها وتوزيعها على دول أو ولايات أو مناطق مختلفة. وبهذا تتمكن الشركات من تسجيل كياناتها المربحة كشركات حقوق الملكية في الملاذات الضريبية، وفي الوقت نفسه ترفع الخصوم الضريبية لباقي كياناتها في الدول مرتفعة الضرائب.

ويتم ذلك من خلال ممارسات معينة كرفع تكاليف حقوق الملكية التي تدفعها كياناتها في الدول التي تحقق فيها معظم دخولها. تمنح بعض الدول أو مناطق الملاذات الضريبية امتيازات خاصة لبعض الشركات عن طريق خفض تكاليف الخدمات العامة التي تدفعها للدولة أو شركاتها العامة. وتستطيع الشركات الكبيرة الاستفادة من كبر حجمها واستثماراتها لإغراء الدول والمناطق والمدن بإعطائها خصوما ضريبية خاصة أو خفض تكاليف الخدمات العامة. ويجري عديد من الدول والمناطق والمدن محادثات وتبرم اتفاقيات ضريبية تفضيلية مع الشركات الكبيرة.

تتهم شركات تقنية متعددة في دول مثل الولايات المتحدة بدفع نسب ضرائب فيدرالية ضئيلة من إجمالي دخلها. ويعود هذا بالطبع إلى النظام الضريبي الذي يسمح بممارسات معينة من خلال منح إعفاءات وخصوم ضريبية، أو قد يخفي في تفاصيله امتيازات ضريبية لأفراد أو جهات معينة.

ويتهم كثيرون الأنظمة الضريبية بالتحيز للشركات الكبيرة أو ملاكها من خلال التوسع في منح الامتيازات والخصوم الضريبية. وتخصص الأنظمة الضريبية جزءا كبيرا من محتوياتها للخصوم والإعفاءات والامتيازات الضريبية.

تتمتع شركات التقنية ببعض المزايا الضريبية عن باقي الشركات، وذلك من خلال تصنيف أعمالها ونفقاتها والمبالغة أحيانا في تكاليف بعض مدخلات الإنتاج. وتحاول شركات التقنية الاستفادة من الإعفاءات الضريبية لمخصصات البحث والتطوير وتنفق جزءا كبيرا من دخولها في هذا المجالات. فقد خصصت شركة أمازون (أكبر منفق على الأبحاث) ما يزيد على 20 مليار دولار للأبحاث والتطوير في 2017، وخصمت كل تلك المبالغ من الضرائب.

وتوجه اتهامات لبعض الشركات بالمبالغة في مخصصات الأبحاث والتطوير وإخفاء بعض المنافع من خلال تلك المخصصات. وهناك ادعاءات بتعمد بعض الشركات إحداث خسائر في مجالات الأبحاث والتطوير لتتمكن من خصم الضرائب بشكل أكبر. إضافة إلى ذلك، تمكن الأنظمة في دول كثيرة الشركات من خصم إنفاقها الاستثماري من الضرائب. وتخصص شركات التقنية مبالغ ضخمة للاستثمار، ما يقلل كثيرا من ضرائبها. ولا يقتصر الأمر على ذلك حيث تمكن الأنظمة، مثلا في الولايات المتحدة، الشركات، من منح كبار موظفيها أسهما مجانية، وبهذا يستفيد كبار التنفيذيين من الحصول على مكافآت مغرية تخصم معظمها من الضرائب. وهناك عديد من الثغرات الأخرى في أنظمة الضرائب التي تخصم بموجبها تكاليف بعض امتيازات كبار التنفيذيين.

يوجد في كل نظام ضريبي لأي دولة عديد من الثغرات لخفض الضرائب ويستغل معظم الشركات، خصوصا الكبرى، هذه الثغرات لخفض استحقاقاتها الضريبية لأنها تملك الموارد لتوظيف مختصين في الإعفاءات والخصوم الضريبية. وتفيد مصادر أمريكية بأن 55 شركة مدرجة في الأسواق المالية، بعضها شركات كبرى، لم تدفع أي ضرائب دخل فيدرالية في الولايات المتحدة العام الماضي. ولم يقتصر الأمر على هذه الشركات، حيث تمكنت مئات وربما آلاف الشركات من استغلال الثغرات الضريبية في دفع نسب متدنية من أرباحها. والأدهى من ذلك هو استغلال بعض الشركات للتشريعات المتعلقة بالجائحة في خصم خسائر لعدة أعوام سابقة لها، ما أفادها في تلقي بعض الدعم ومكنها من تحقيق معدلات ضرائب سلبية.

يوجه كثيرون الاتهام للولايات المتحدة بأنها أكبر الملاذات الضريبية، حيث تتيح أنظمتها للشركات دفع نسب منخفضة فعليا من الضرائب. ورغم أن معظم الشركات العالمية أمريكية إلا أن ضرائب الدخل على الشركات في الولايات المتحدة لا تمثل إلا ما يقارب 7.4 في المائة من إجمالي إيرادات الضرائب الفيدرالية الأمريكية هذا العام، بينما يتحمل الأفراد معظم أعباء الضرائب. وتتمتع الشركات بنفوذ كبير على المشرعين وكبار المسؤولين، لهذا يتهم صناع القرارات في كثير من الدول بتصميم أنظمة ضرائب محابية للشركات.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.