.
.
.
.

ترويض التضخم العالمي

أحمد الشهري

نشر في: آخر تحديث:

هناك موجة تضخم تهدد الاقتصاد العالمي، وأعتقد أن الجميع شعر بها. يعد التحفيز النقدي وإجراءاته في الاقتصادات المتقدمة بقيادة أمريكا، أكبر مغذ للتضخم العالمي، وفي واقع الحال هم يحاربون الركود الاقتصادي من خلال طبع مزيد من النقود، أي من خلال التيسير الكمي وشراء مزيد من الأصول من البنوك وضخ أموال في سوق الأسهم وتمرير الأموال إلى الشركات أو الأفراد في صور تحفيز مالي مباشر أو إعانات للأسر. وأدى الإفراط في التيسير الكمي إلى تصدير التضخم للعالم.

شبح الركود دفع بمحافظي البنوك المركزية حول العالم إلى خفض الفائدة، لتحفيز النمو بسبب الإغلاقات الاقتصادية. وعلى الرغم من أهمية الإجراء، هناك دول لا تستطيع خفض أسعار الفائدة، ولا سيما تلك الدول التي تقع تحت العقوبات الأمريكية، أو التي تخشى العقوبات الأمريكية. فمثلا، روسيا لا تستطيع خفض سعر الفائدة بدرجات كبيرة، خوفا من انخفاض عملتها نتيجة أمور جيوسياسية، كالخوف من العقوبات الغربية، وإذا ما خفضت سعر الفائدة، فستهرب الأموال إلى خارج روسيا ويضعف "الروبل".

لهذا، سيضغط التضخم العالمي على اقتصاد روسيا، وتصبح بين معضلتي، هروب الأموال والتضخم. وعلى الرغم من ذلك، فحال روسيا سيظل آمنا إذا ما توافقت سياستها مع مجموعة "أوبك" بقيادة السعودية، ولا سيما أن السعودية تسعى إلى ترويض التضخم العالمي، بحسب تصريح الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة.

أما عند النظر إلى الاقتصاد الصيني، فيعد أحسن حالا من بقية دول العالم، ويعزى ذلك إلى طبيعة النظام الاقتصادي، فإذا ما كان طبع النقود دون توقف في الدول الغربية يؤدي إلى ارتفاع أسعار كل شيء حول العالم، فإن الصين في الوقت ذاته تحاول كبح ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي تصدرها للعالم عن طريق فرض مزيد من القيود إلى أقصى درجة يسمح بها الوضع داخل الصين، من خلال المصانع والشركات الصينية. وعلى الرغم من ذلك، ارتفعت الأسعار في الصين إلى أكثر من 10 في المائة، وهذا يشكل تهديدا لكل المستوردين من الصين، إضافة إلى أن تكاليف الشحن العالمية تضاعفت في أزمة كورونا، وهذا يرفع التكلفة على الجميع.

أخيرا، العالم يعيش بين معضلتي الهيمنة النقدية للدول الغربية بقيادة أمريكا، والهيمنة السلعية للدول الشرقية بقيادة الصين ودول "أوبك +" بقيادة السعودية. لهذا، لم يعد كافيا أن يدار الاقتصاد العالمي بسياسات نقدية، بل لا بد من تدخل سياسات التجارة والنفط وإزالة جميع المصاعب التي قد تواجهه سلسلة الإمداد العالمية، ومعالجة اختلال فائض التصدير العالمي والرقابة على عمليات الاندماج، ومحاربة هيمنة الشركات العملاقة، وزيادة مستويات المنافسة ومراقبتها من كثب داخل دولها، وتطبيق مبدأ التعاون بين الدول في الأزمات، الذي دعا إليه الملك سلمان في قمة مجموعة العشرين بقيادة السعودية.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.