.
.
.
.

منكرو أزمة المناخ العالمية!

حسين شبكشي

نشر في: آخر تحديث:

كانت إجازة عيد الأضحى المبارك فرصة طيبة للراحة والتأمل واستغلال فسحة الوقت للقاء بعض الأصدقاء بشكل محدود جداً؛ نظراً لشروط التباعد الاجتماعي الذي فرضته جائحة «كوفيد – 19» المدمرة على العالم بـأسره. ومن الناس الذين التقيتهم صديق لم ألتقه منذ مدة، وهو على درجة كبيرة من المعرفة وواسع الاطلاع وغزير القراءة ويعتز دوماً بآرائه المختلفة، التي تكون عموماً عكس التيار السائد.

جاءني متحمساً وهو يبدأ حديثه معي بقوله «أريدك أن تتخيل معي النمو الكبير الحاصل اليوم في قبول المستهلك للحوم البديلة ذات المنشأ النباتي غير الحيواني. تخيل معي هذا المنتج حتى يتطور في سعره ومذاقه ونظافته وقيمته الغذائية وتغليفه وتعقيمه، ويكون بالتالي البديل الجاد لصدقة الأضاحي لمستحقيها من الفقراء والمساكين بدلاً من الحيوانات التي أصبح هناك أصوات كثيرة في المجتمع الغربي تنادي بوقف الذبح واستهلاك اللحوم الحيوانية لسببين؛ أولهما موجة حقوق الحيوان المتصاعدة وحجة أن اللحوم الحيوانية باتت تشكل تهديداً للمناخ العالمية ومن أسباب أزمته؛ نظراً لمتطلبات المواشي بمختلف أجناسها وأنواعها للمرعى المكلف واستهلاكها المهول للمياه». تمعنت فيما قاله وقلت له «لن أدخل في الجدل الفقهي، ولكني سأدقق ملياً فيما ذكرته بخصوص أزمة المناخ العالمية».

صادف هذا النقاش الفترة نفسها التي كانت مناطق مختلفة من كوكب الأرض تمر بنماذج مختلفة من حالة موتورة من المناخ المضطرب. فيضانات مرعبة في قلب القارة الأوروبية، وتحديداً في كل من ألمانيا وبلجيكا، أودت بحياة مائتي شخص ومخلفة دماراً غير مسبوق لم تشهد المناطق المنكوبة مثيلاً له منذ الحرب العالمية الثانية. ونالت الصين أيضاً نصيبها الهائل من الفيضانات المدمرة في مناطق الوسط فيها، التي شهدت هطولاً مكثفاً لمياه الأمطار بلغت معدلاتها في ثلاثة أيام فقط ما يهطل عليها في عام كامل. أما المنطقة الشمالية سيبيريا من روسيا، والتي تعتبر مضرباً للأمثال في التجمد والطقس الشديد البرودة، فقد نالت نصيبها هي الأخرى من الأخبار الخاصة بنموذج المناخ المضطرب عندما وصلت درجة الحرارة فيها لمائة درجة فهرنهايت مع اندلاع حرائق كبرى في غاباتها أيضاً.

حتى الولايات المتحدة لم تنفذ هي الأخرى من تقلبات المناخ، فحلّت درجات الحرارة العليا على ولايات الشمال الغربي منها، التي شهدت حرائق كبرى وخطيرة. مع عدم إغفال الوضع المناخي في بلدان الشرق الأوسط الذي يشهد درجات حرارة قياسية وجفافاً في منابع المياه.

وهنا قال صديقي «ولكن هناك من لا يزال ينكر تماماً وجود أزمة المناخ العالمية». قلت له، إن العالم الغربي بمؤسساته وشركاته الاقتصادية تخطى هذه النقطة تماماً، فالدول بدأت في وضع التشريعات والقوانين التي ستمنع وجود سيارات تسير بالوقود في شوارعها ووضعت جدولاً زمنياً لتنفيذ ذلك العهد، وكذلك فعلت شركات عملاقة لتصنيع السيارات، مثل «مرسيدس»، و«جاغوار»، و«فورد»، و«فولكس فاغن»، و«نيسان»، وغيرها وضعت لنفسها هدفاً زمنياً معلناً بتحويل خطها الإنتاجي إلى سيارات كهربائية مائة في المائة وبشكل حصري مع حلول سنة 2030 أو 2035، ومن المتوقع أن تتبعها شركات أخرى مع ارتفاع صوت المستهلك المؤيد، وبالتالي المطالب بالتغيير الجذري من هذا النوع؛ لأن المعترض على هذا التوجه سيتم توصيفه بأنه معاد للبيئة ويغرد خارج السرب الإنساني المسؤول. بل إن هناك من يتوقع أن يحصل لمنكري أزمة المناخ العالمية تماماً ما حصل مع منكري المحرقة اليهودية في أوروبا التي قامت بها المنظومة النازية الحاكمة في ألمانيا خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

بعيداً عن تسييس موضوع أزمة المناخ العالمية والاعتماد على رأي أصحاب المصالح فيها، يبقى هناك سيل من الدلائل والوقائع والشواهد العلمية الداعمة للقائلين بوجود أزمة مناخ عالمية، وهذا الذي سرّع من مواقف الدول والمؤسسات الاقتصادية باتخاذ الإجراءات والقرارات الحازمة التي اتخذتها. هذه الأحداث المناخية الأخيرة جاءت صدمةً للبعض وتأكيداً للبعض الآخر، ولكن التقدير والتوقع الأهم الذي تكرر على لسان بعض العلماء المتخصصين في المناخ في تعليقهم على ما حصل مؤخراً، أنهم يعتقدون أن هذه الأحداث ستكون المعتاد القادم ولن تكون أحداثاً غريبة أو شاذة في المستقبل. جرس إنذار جاد للغاية.

* نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.