.
.
.
.

صناعة التكرير والتأقلم مع تحولات الطاقة

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

لقد تعافى قطاع التنقيب عن النفط والغاز من أصعب ركود شهدته الصناعة حديثا، حيث تجاوزت أسعار النفط حاجز 70 دولارا للبرميل مع ارتفاع الطلب العالمي. التوقعات الآن هي أن الأسعار ستصل إلى مستويات ما قبل الجائحة في غضون بضعة أرباع فقط. في حين من المتوقع أن تستمر مشكلات قطاع التكرير - ليس فقط على المدى القصير. ويمثل انخفاض هوامش التكرير والفائض الهيكلي لطاقات المصافي تحديات أمام صناعة تكرير النفط على المدى القريب. لكن هناك تحديان آخران على المدى البعيد يتعين على المصافي التغلب عليهما إذا أرادوا أن يظلوا منافسين رغم التحول الذي يشهده قطاع الطاقة العالمي والتعهدات بصافي انبعاثات صفرية: انخفاض هوامش التكرير المزمن وطاقات المصافي الزائدة.

رغم أن هوامش التكرير العالمية أعلى الآن مما كانت عليه في هذا الوقت من العام الماضي، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من متوسط الخمسة أعوام، وأقل من هوامش العام الطبيعي الأخير للطلب على المنتجات، 2019. وفقا لشركة رويال داتش شل، "هامش التكرير أعلى الآن من الربع الرابع لكنه لا يزال منخفضا للغاية. ومن ثم فإن قطاع التسويق من منظور الحجم ليس قويا أيضا، كما كان عليه عندما كانت الأسواق مستقرة قبل الجائحة".

حتى الآن هذا العام، تحسنت الهوامش إلى حد ما مع تعافي الطلب على البنزين في الصين والولايات المتحدة. لكن الانتعاش كان غير متساو عبر مختلف منتجات التكرير. حيث لا يزال الطلب العالمي على وقود الطائرات غير مواكب لانتعاش الطلب على البنزين، ما يجبر المصافي على مزج وقود الطائرات بالديزل، وبالتالي زيادة إمدادات الديزل وخفض الهامش. كما تتعرض هوامش أرباح التكرير لضغوط من تزايد عدد المصافي، خاصة في الشرق الأوسط وآسيا. ويؤدي هذا إلى تفاقم الطاقة الفائضة في الصناعة التي بدأت تتضح حتى قبل الانهيار الذي أحدثه الوباء في الطلب على الوقود.

في هذا الصدد، قالت "وود ماكينزي": "إن متوسط هامش "وود ماكينزي" العالمي المركب بلغ 1.8 دولار للبرميل هذا العام حتى الآن، أي أقل من نصف متوسط الخمسة أعوام البالغ 4.25 دولار للبرميل". ومع بدء تشغيل المصافي الجديدة في الشرق الأوسط وآسيا، لا تتوقع الشركة تعافي هوامش التكرير في العام المقبل. حيث تؤدي الطاقة الفائضة في الصناعة إلى انخفاض معدلات التشغيل العالمية. وتتوقع مصادر الصناعة أن يصل متوسط هذا المقياس الرئيس لربحية المصافي إلى ما يزيد قليلا على 75 في المائة عام 2021. رغم أن هذا سيكون أعلى من الـ 68 في المائة الذي شهده الربع الثاني من عام 2020، إلا أنه لا يزال أقل من متوسط الـ 80 في المائة للخمسة أعوام التي سبقت الانكماش الاقتصادي لعام 2020. إذا لم تشهد صناعة التكرير العالمية مزيدا من الترشيد المكثف، فقد لا يعود القطاع أبدا إلى معدل استخدام 80 في المائة من طاقات المصافي المتاحة.

تمثل الأزمة الحالية تهديدا وجوديا للمصافي الأصغر والأقل كفاءة في أوروبا وآسيا التي كانت تكافح لجني الأرباح حتى قبل الوباء. حتى شركات النفط الكبرى تقر بأن بعض مصافيها أصبحت غير اقتصادية بشكل دائم وسط هوامش تكرير منخفضة، ومنافسة إقليمية شرسة، وتوقعات بانخفاض الطلب على وقود الطرق على المدى الطويل. على سبيل المثال، أعلنت شركتا إكسون موبيل وبريتش بتروليوم أنه في غضون بضعة أشهر سيتم إغلاق مصافي التكرير الخاصة بهما في أستراليا. وهم يخططون الآن لتحويلها إلى محطات لاستيراد الوقود. في أوروبا تواجه طاقة تكرير بالغة نحو 1.4 مليون برميل يوميا تهديدا خطيرا بالإغلاق بحلول عام 2023 على أبعد تقدير، وفقا لدراسة أجرتها "وود ماكينزي" في منتصف العام الماضي.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، قالت وكالة الطاقة الدولية، إن بعض المصافي قد أعلنت في العام الماضي إغلاقا دائما لطاقات التكرير بعد أن أدى الوباء إلى تراجع الطلب على الوقود في جميع أنحاء العالم.

التحدي الرئيس قصير الأجل لقطاع التكرير هو كيفية تحسين هوامش الأرباح المنخفضة وسط الطاقات الفائضة للصناعة. في حين، تعد كيفية إزالة الكربون من عمليات التكرير ومقدار الطلب على النفط الذي ستعوض عنه السيارات الكهربائية من التحديات الرئيسة طويلة الأجل لمصافي التكرير. في عالم أصبحت فيه التعهدات بانبعاثات صفرية هي القاعدة الآن، تحتاج صناعة التكرير إلى إظهار أنها تحاول التأقلم وتقليل الانبعاثات من عملياتها. في هذا الصدد، هناك توافق على تحقيق ذلك من خلال كهربة العمليات، الهيدروجين منخفض الكربون، والتقاط الكربون وتخزينه أو استخدامه CCUS.

بدأ بالفعل بعض شركات النفط الكبرى في التفكير في هذه الحلول. على سبيل المثال، أعلنت TotalEnergies، بالتعاون مع إكسون موبيل وشركات مواد كيماوية، أنها ستستكشف تطوير البنية التحتية لثاني أكسيد الكربون، بما في ذلك الالتقاط والتخزين، للمساعدة على إزالة الكربون من المجمع الصناعي الواقع في منطقة نورماندي في فرنسا.

سيكون من الأسهل معالجة الانبعاثات الناتجة عن العمليات رغم التكاليف المرتفعة المحتملة وأعوام تطوير وتنفيذ المشاريع. لكن لا تزال مشكلة الانبعاثات الناتجة عن استخدام المنتجات النفطية المكررة، أو ما يعرف بانبعاثات النطاق الثالث (أي: خارج العمليات الإنتاجية)، قضية رئيسة. لكن التزام عدد قليل فقط من شركات النفط بتقليل انبعاثات النطاق الثالث يعكس الاختلافات في الرأي حول ما إذا كانت المسؤولية تقع على عاتق المنتجين أو المستهلكين للوقود.

أخيرا، هناك السؤال الكبير الذي سيفرق بين الرابحين والخاسرين في قطاع التكرير في تحول الطاقة: ما مقدار الطلب على الوقود الذي ستمحوه المركبات الكهربائية؟.

في هذا الصدد، قالت "وود ماكينزي": إذا كان للعالم أن يسير على مسار درجتين في سيناريو "تحول الطاقة المتسارع" للشركة، فإن اختراق سوق المركبات الكهربائية القوي سيؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط إلى 35 مليون برميل يوميا فقط عام 2050. قد يكون هذا السيناريو مبالغا فيه ومفرطا في التفاؤل بشأن كهربة قطاع النقل، لكن سيكون هناك بالتأكيد بعض الطلب على النفط الذي سيخرج من السوق في العقود المقبلة نتيجة ذلك.

قد لا يكون هذا التحول في الأفق بعد، حيث إن مبيعات السيارات الكهربائية ما زالت تمثل جزءا صغيرا فقط من إجمالي مبيعات السيارات. ما يعني استمرار الطلب على المنتجات النفطية بما في ذلك البنزين والديزل لفترة طويلة مقبلة. لكن للبقاء في عالم اختلفت فيه معايير استهلاك الطاقة المتنوعة، تحتاج صناعة التكرير إلى مزيد من الترشيد. سيكون الفائزون هم المصافي الأكثر تنافسية، مثل منشآت البتروكيماويات الساحلية المتكاملة التي تعالج ليس النفط الخام فحسب، بل أيضا النفايات والكتلة الحيوية.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.