.
.
.
.

نموذج كوبوتشي ومبادرة السعودية الخضراء

فهد بن ناصر العرجاني

نشر في: آخر تحديث:

كما قيل في المثل “مشاهدة الحدث على الطبيعة مرة واحدة أفضل من أن تسمع عنه مئة مرة”. لقد كنت محظوظاً في عام 2017 بزيارة صحراء كوبوتشي Kubuqi في منغوليا الداخلية ـ إحدى المقاطعات الصينية الكبرى -، وكنتُ برفقة زميل صيني من أهل المنطقة.

كان كثيراً ما يتحدث لي عن ثقافة الناس في مقاطعة منغوليا الداخلية، بدءاً بقصص ولعهم بركوب الخيل وأكل لحومها مروراً بالرياضات التقليدية وانتهاء بتصاميم منازل باديتها في صحراء تعد إحدى أكبر الصحاري في البلاد الصين.

قبل ثلاثين عاماً مضت كانت صحراء كوبوتشي من أشد المناطق قساوة في المعيشة، كونها ممر للعواصف شديدة الحرارة التي تحرك معها الكميات الهائلة من الرمال، حتى أتى اليوم الذي بذلت فيه الحكومة الصينية اهتمامها بالمنطقة، وشجعت كيانات قطاع الأعمال وأبناء المقاطعة لحث الهمم والالتفات للكنز المدفون تحت رمال الصحراء وفوقها.

لقد تمكنت مقاطعة منغوليا الداخلية من استعادة أكثر من 6 آلاف متر مربع من صحراء كوبوتشي، من خلال تطبيق نموذج متكامل للاقتصاد الدائري المستدام يجمع بين استعادة المنظومة البيئية، وتطبيق الإدارة الإيكولوجية التي تُعنى بإدارة الماشية والزراعة والموارد الطبيعية على حدٍ سواء، وتنمية السياحة البيئية، ودعم قطاع الصناعة الخضراء، وتعزيز إنتاج الطاقة الشمسية، الأمر الذي أثر بشكل ملحوظ على حياة أكثر من 150 ألف نسمة من السكان وانتشالهم من براثن الفقر.

يقدم لنا نموذج كوبوتشي مثالاً عالمياً على نجاح السيطرة على التصحّر وتحسين المنظومة الايكولوجية المبنية على سياسات حكومية مؤسسية فعالة مدعومة بالحوافز المشجعة، وأخذ المخاطر العالية والاستثمار المدروس في الصناعة البيئية وتقنين الشراكة الوثيقة مع الافراد ورجال الأعمال في أسواق المزارعين ورعاة المواشي من أهل المقاطعة.

في صحراء كوبوتشي أُعيد تعريف عبارة ـ الصحراء ـ فقد تشاهد قطعان الماشية والأغنام ترعى وسط الألواح الشمسية التي تغذي مولدات الكهرباء بالطاقة، وأصبحت الصحراء القاسية تُصدّر أجود أنواع الخضروات والفواكه العضوية الى جميع انحاء الصين وتحولت أعجوبة الأرض القاحلة الى حدائق مثمرة تجذب زوارها من جميع انحاء العالم.

الدروس المستفادة من نموذج كوبوتشي لا تقدر بثمن، فعلى الرغم من أن 7% فقط من أراضي الصين صالح للزراعة ويعاني أكثر من 27% من أراضيها من تآكل ر التربة وتدهورها، وهذا النموذج التنموي الأخضر يطبق حالياً في مقاطعات أخرى مثل: قانسو وخيبي وشينجيانغ والتبت، وتطمح الصين لنقله خارجيا من خلال تصدير التكنولوجيا الخضراء على امتداد مشروعها الدولي – الحزام والطريق – وبناء شبكة تجارية وبنية تحتية تُقدر قيمتها بـ 900 مليار دولار تمتد من طريق الحرير القديم الذي يبدأ من مدينة شيان عابراً آسيا الوسطى ليصل إلى الشرق الأوسط وأفريقيا مستهدفاً أكثر من 2 مليار نسمة يعيش 90% منهم في الدول النامية.

مع التغيرات البيئية الكبيرة أصبح القطاع أرضاً خصبة لريادة الأعمال والابتكارات، سواء في قطاع الطاقة أو الزراعة أو حتى قطاع التدوير، فسياسات الدول والمبادرات الحكومية قد تنشئ أسواقا جديدة تدفع معها رواد الأعمال لدخولها، وتضحي مصدراً لخلق الوظائف وتنمية المورد البشري.

في أبريل الماضي أعلن سمو ولي العهد (حفظه الله) عن مبادرتي استراتيجية السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، تهدف السعودية من خلالها إلى زراعة 10 مليارات شجرة بحلول عام 2040، وزيادة جهودها لحماية سواحلها الطبيعية، وتخصيص 30% من مساحة المملكة إلى أراضٍ محمية بيئياً، هاتين المبادرتين لن تسهما في زيادة الوعي البيئي فحسب، بل ستدفعا رواد الأعمال للاقتراب من البيئة وتتبع الفرص النوعية وزيادة القيمة المضافة من الابتكار والبحث والتطوير في هذا القطاع الديناميكي الواعد لننعم باقتصاد وطني مستدام في ظل الرؤية السعودية الطموحة.

*نقلاً عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.