.
.
.
.

خيارات أوسع لتحفيز القطاع الخاص

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من عودة القطاع الخاص إلى النمو مجددا خلال الربع الأول من العام الجاري بمعدل ربع سنوي بلغ 4.4 في المائة، بعد ثلاثة معدلات سلبية متتالية خلال الأرباع السابقة، وصلت إلى - 10.1 في المائة خلال الربع الثاني 2020، ثم - 3.1 في المائة خلال الربع الثالث 2020، وأخيرا - 0.8 في المائة خلال الربع الرابع 2020، وقياسا على التحسن الملموس الذي شهدته الأسعار العالمية للنفط، نتيجة الكفاءة العالية لـ"أوبك +" وارتفاع درجات الالتزام للأعضاء، فإنه سيكون من الأهمية القصوى بمكان أن يتم التوسع في دراسة الكثير من خيارات تحفيز القطاع الخاص، والدفع به نحو مسار أعلى تسارعا على طريق النمو المستدام، وبما يؤهله بصورة أكبر للمساهمة في النمو الاقتصادي، وتنويع قاعدة الإنتاج، وزيادة قدرته على توظيف الموارد البشرية الوطنية.

وعلى الرغم من أهمية زيادة الإنفاق الحكومي بالنسبة إلى القطاع الخاص، تحديدا الإنفاق الرأسمالي، إلا أنه لارتباط هذا المتغير بضرورة المحافظة على الضبط المالي، والالتزام التام بسياسات الترشيد، والأخذ في الحسبان الدور التعويضي له ممثلا فيما يقوم به صندوق الاستثمارات العامة، ونجاحه حتى تاريخه في الوفاء بتلك المسؤوليات والمهام الاستراتيجية، والإشارة أيضا في هذا السياق إلى إيلاء الصندوق جانب الشراكة مع القطاع الخاص في جميع الاستثمارات التي يدشنها محليا، بما يحدث موازنة على مستوى الآثار التالية لاستمرار الضبط المالي بالنسبة إلى الإنفاق الحكومي، وتعويضه بمزيد من ضخ الاستثمارات من طرف الصندوق، وتصاعد عقود الشراكة بينه وبين منشآت القطاع الخاص.

خلال العام الماضي حتى تاريخه، كان من أهم وأقوى ما أسهم في سرعة استعادة القطاع الخاص للنمو مجددا، ما تم إقراره على نطاق واسع من برامج الدعم الحكومي، ناهزت سقف الـ 280 مليار ريال (13.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي)، التي تزامنت مع التدابير الحكومية الواسعة النطاق لمواجهة تداعيات الجائحة العالمية كوفيد - 19، وصل إجمالي قيمة ما تم تخصيصه بصورة مباشرة للقطاع الخاص من إجمالي الدعم الحكومي أعلاه إلى نحو 130.6 مليار ريال (6.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي)، وارتكز على أربع مبادرات رئيسة: (1) برنامج تأجيل الدفعات، الذي عمل على تأجيل سداد المبالغ المستحقة على المنشآت الصغيرة والمتوسطة تجاه القطاع المالي. (2) برنامج تمويل الإقراض، بتقديمه التمويل الميسر للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. (3) برنامج دعم ضمانات التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (برنامج ضمان التمويل "كفالة"). (4) برنامج دعم رسوم عمليات نقاط البيع والتجارة الإلكترونية. وكما هو معلوم فقد تمديد العمل بالبرنامجين الأول والثاني مرتين، الأولى حتى نهاية حزيران (يونيو) الماضي، والثانية حتى نهاية آذار (مارس) 2022 المقبل.

في مقابل استمرار أجزاء من تداعيات الجائحة العالمية لكوفيد - 19، وتحت الضغوط المتجددة من فترة إلى أخرى للجائحة التي ما زالت تلقي بظلالها القاتمة على الاقتصاد العالمي، إضافة إلى التطلعات المرتبطة بالقطاع الخاص، وتحقيقا للمستهدفات الاستراتيجية المتعلقة به، سيكون من الأهمية أن تتجدد وتتوسع آليات دعمه وتحفيزه بصورة أكبر، وأكثر استمرارية، والمبادرات في هذا السياق واسعة جدا، سيكون التركيز هنا منصبا على الأهداف النهائية للمبادرات المقترح الأخذ بها، أكثر من التركيز على ماهية المبادرة ونوعها.

من أهم الأهداف النهائية التي يتطلب توافرها لأي مبادرة يتم إقرارها، أن تعمل على تخفيف وخفض التكاليف التشغيلية عن كاهل منشآت القطاع الخاص، التي من شأنها مجتمعة أن توفر مجالات واسعة جدا أمام تلك المنشآت للوقوف في وجه أي تحديات راهنة أو محتملة، وفي الوقت ذاته ستمكنها من النمو والتوسع في نشاطاتها بصورة أسرع وأكبر، وتؤهلها بدرجة أكبر لزيادة توظيف الموارد البشرية الوطنية، والمساهمة بفاعلية أكبر في خفض معدل البطالة بين المواطنين والمواطنات.

كما سيكون مهما جدا في الطريق الموازي لمسار تلك المبادرات اللازمة هنا، أن يتم تسريع إجراءات تحصيل الرسوم على الأجزاء غير المنتجة من الاقتصاد، في مقدمتها الرسوم على الأراضي البيضاء، التي عدا أنها سترفع من المتحصلات لمصلحة المالية العامة، ستؤدي إلى ما هو أهم من ذلك بعملها على خفض التضخم الراهن في مستويات أسعار الأراضي والعقارات على حد سواء، وما سيليه من نتائج إيجابية ستنعكس على خفض التضخم في كثير من نشاطات ومجالات الاقتصاد، التي سيكون القطاع الخاص "الجزء المنتج من الاقتصاد" من أكبر المستفيدين منها، بانخفاض التكاليف التشغيلية على كاهله، إضافة إلى زيادة اجتذابه مزيدا من الأموال والمدخرات التي طالما اجتذبتها عمليات الاكتناز والمضاربة على الأراضي، إضافة إلى المجتمع الذي ستتحسن مستوياته المعيشية بصورة أكبر، ستوفر له مزيدا من القدرة على الإنفاق الاستهلاكي والادخار على حد سواء.

يجب التأكيد في خاتمة هذا المقال، على أنه كلما تم الإسراع في إقرار تلك المبادرات والعمل حقق الاقتصاد الوطني مكاسب أكبر وأسرع، وهو المأمول تحققه قريبا بمشيئة الله تعالى.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.