.
.
.
.

الحرب على النفط .. زوبعة في فنجان؟

م. عبدالرحمن النمري

نشر في: آخر تحديث:

لا يخفى على كثير من المختصين والمهتمين في قطاع الطاقة أن هناك حملات إعلامية ممنهجة تماهت معها أو زادتها زخما بعض الدول وبيوت الخبرة والجهات العالمية المختصة في قطاع الطاقة. تهدف هذه الحملات والأمواج الإعلامية إلى وضع النفط في قفص الاتهام، وترسيخ صورة ذهنية مضللة أنه العدو الأول للبيئة، وأن سلامة مستقبل كوكب الأرض، وسلامة من عليها رهن تقويض صناعته.

لن أتطرق في هذا المقال إلى التباين الواضح لكل ذي لب في التعاطي الإعلامي والمؤسسي مع مصادر الطاقة الأخرى وتأثيرها في البيئة وعلى رأسها الفحم، الذي سلطت الضوء عليه في عدد من المقالات، ووضحت من وجهة نظر شخصية الأسباب التي أدت إلى تواري المهنية، والتطرق الخجول عالميا لكل ما يتعلق به، وبأضراره، ومستقبله.

ذكرت في المقال السابق أن الفحم ما زال يلعب دورا أساسيا كمصدر رئيس من مصادر الطاقة في العالم، وأن الطلب على الفحم انخفض في العام الماضي بسبب جائحة كورونا، وبسبب انخفاض أسعار الغاز عالميا بنسبة مؤثرة، حيث انخفض إنتاجه في أمريكا بنحو 24 في المائة. لكن بحسب إدارة الطاقة الأمريكية، سترتفع صادرات الفحم الأمريكية بنحو 26 في المائة العام الجاري، بسبب ارتفاع أسعار الغاز، إضافة إلى التعافي الاقتصادي الملحوظ من جائحة كورونا.

إن هذه الأرقام قد تفاجئ كثيرا ممن اعتقدوا بسبب تأثرهم بالحملات الإعلامية ضد النفط، أن الفحم قد أصبح من الماضي ولم يعد مصدرا مهما ورئيسا من مصادر الطاقة العالمية كأقل تقدير. بعيدا عن كل ذلك، أعتقد أن السؤالين المهمين في هذه المرحلة لكثير من المهتمين في هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي الأهم، هل الحرب على النفط حرب ضروس ستؤتي أكلها؟ وهل مستقبل صناعة النفط في خطر حقيقي؟ لا يمكن تجاهل ما يطرح إعلاميا حول النفط وصناعته، وإن كان هناك مبالغة تجاوزت المنطق والموضوعية حول مستقبله، إلا أن التعامل مع هذا التوجه مهم وضروري، وأعتقد فيما لا يدع مجالا للشك أن صناع القرار في "أوبك"، وعلى رأسهم السعودية والمنتجون المستقلون مثل روسيا، لديهم القدرة والكفاءة والاحترافية والدبلوماسية للتعامل مع هذا الموضوع.

فكرة أن نجم النفط آفل لا محالة في المدى القصير، وسيتم الاستغناء عنه، فكرة غير منطقية ستصطدم بالواقع، والتطور الأخير بتبني وكالة الطاقة الدولية هذا الطرح لتقويض صناعة المنبع ووقف الاستثمار في اكتشاف حقول نفط جديدة، تطور لافت لا يمكن تجاهله، ولكن لا أرى - من وجهة نظر شخصية - أنه تطور خطير كما يعتقد البعض! وكالة الطاقة الدولية ستراجع حساباتها قريبا، فأمن الطاقة العالمي خط أحمر، وهي من ينادي بهذا المبدأ الأصيل، وأتعجب منها أنها تغافلت عن حقيقة أن العلاقة بين مصادر الطاقة علاقة تكاملية، وأن النفط سيبقى عرابها ومتربعا على عرشها.

نعم، العالم يتحرك بتسارع مطرد نحو مصادر الطاقة المتجددة، ونعم كذلك أن الدول المنتجة للنفط والمؤثرة كالسعودية، تواكب هذا التطور وتستثمر فيه مبالغ طائلة، لكن ما يحدث ليس بسبب أفول نجم النفط، وليس بسبب الخوف على مستقبله، بل في اعتقادي أن مستقبل الطلب على الطاقة يتطلب تنويع مصادره والمحافظة على النفط كمصدر ناضب والاستفادة المثلى منه.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.