.
.
.
.

كفاءة نظام الرسوم على الأراضي البيضاء

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

قياسا على تأخر تحقق كثير من النتائج التي توخاها نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، التي نص عليها النظام في مادته الثانية، كالآتي: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة، ومكافحة الممارسات الاحتكارية، فإنه سيكون من الأهمية إثراء النقاش حول هذا الجانب التنموي المهم جدا، وتقديم عديد من المقترحات التي تستهدف رفع كفاءة نظام الرسوم على الأراضي، ودعم الجهود الحثيثة في هذا الاتجاه، وتتولى مسؤولياتها اللجنة الوزارية المعنية بمراجعة نتائج البرنامج الزمني لتطبيق رسوم الأراضي البيضاء، الصادر بتشكيلها قرار مجلس الوزراء في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2017، وما الإعلان عن استكمال المرحلة التنفيذية الثانية من النظام في كل من الرياض وجدة والدمام قبل أقل من عام من تاريخه، إضافة إلى بدء تنفيذ المرحلة الأولى في 17 مدينة إضافية، إلا جزء من تلك الجهود التي أثمرها تشكيل هذه اللجنة الوزارية.

إتماما لتلك الجهود الحثيثة، أقدم هنا أربعة مقترحات رئيسة يؤمل من خلالها أن ترتفع كفاءة النظام، وصولا إلى تحقيق الأهداف الثلاثة المشار إليها أعلاه.

المقترح الأول: يتناول واحدا من أهم الأسباب التي قلصت بدرجة كبيرة من تأثير المرحلة التنفيذية الأولى، حيث لم تتجاوز نسبة مساحة ما تم تطويره من إجمالي مساحة الأراضي المشمولة بالنظام سقف 3.2 في المائة، وتتمثل تلك الثغرة التي أدت إلى ضعف التأثير في منهجية تقييم سعر الأرض الخاضعة للرسم، التي تبتعد نتيجتها بنسبة كبيرة عن السعر السوقي للأرض قد تتجاوز 90 في المائة كفارق بين السعرين.

مثالا على ذلك: قد تخضع أرض معينة انطبقت عليها اشتراطات النظام، ويصل سعر مترها وفقا للأوضاع الراهنة للسوق العقارية إلى نحو 1000 ريال للمتر المربع، في حين قد ينتج عن آلية تقييمها لأجل احتساب الرسم على مالكها أن تقدير سعر المتر المربع لتلك الأرض بين 50 و100 ريال للمتر المربع، وبناء عليه يتم احتساب تكلفة الرسم الواجب تحصيله من المالك، ووفقا لهذه المنهجية ستراوح تكلفة الرسم واجبة الدفع بين 1.25 ونحو 2.5 مليون ريال، وهي التكلفة التي لا تقارن بأي حال من الأحوال مع لو تم الأخذ بمتوسط التقييم السوقي أو حسب تثمين الجهات المرخصة بذلك وفقا لأوضاع السوق، التي بافتراض أنها اتفقت على سعرها السوقي نفسه في وقت التقييم البالغ 1000 ريال للمتر المربع، ففي هذه الحالة سنجد أن تكلفة الرسم الواجب تحصيلها ستصل إلى نحو 25 مليون ريال، وهنا سيتأكد تأثيره الحقيقي في مالك الأرض، وسيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما للتخلص من العبء المالي المكلف، إما بالتخارج من ملكية الأرض لعدم قدرته على تطويرها والتشييد عليها وتحقيق الانتفاع الحقيقي منها، أو بالعمل على تطويرها وتحويلها من مجرد أرض خام، إلى أرض قد تم التشييد عليها منتجات عقارية متعددة الأغراض، ومن ثم ضخها في جانب العرض لتحقيق التوازن المنشود، والمشار إليه في الهدف الأول من أهداف نظام الرسوم على الأراضي البيضاء "زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب".

المقترح الثاني: أن تعمل اللجنة الوزارية بالتعاون مع الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، على الإسراع وتسهيل إجراءات منح التراخيص اللازمة لملاك الأراض لأجل تطوير وبناء الأراضي التي بحوزتهم، وتعمل أيضا على تذليل كل المعوقات التي قد تقف في طريق حصولهم على التمويل العقاري اللازم والكافي لأجل التطوير والتشييد والبناء، الأمر الذي سيسهم تحققه في الإسراع بمعدلات أكبر توائم حجم الطلب المحلي الكبير على المنتجات العقارية عموما، والسكنية خصوصا، ما سيوجد بدوره سوقا أعلى تنافسية من حيث زيادة المنتجات العقارية، ويحقق توازنا أكبر بين العرض والطلب، ويسد الفجوة الواسعة بينهما، سيؤدي بدوره إلى إحداث عدالة أكبر على مستوى الأسعار السوقية، ويخفف إلى حد بعيد من التضخم الراهن في الأسعار سواء الأراضي أو العقارات، كما سيدفع بكثير من ملاك الأراضي نحو اتخاذ القرارات اللازمة تجاه ممتلكاتهم من الأراضي، إما بتطويرها أو بالتخارج منها، نظرا لما يشاهدونه من تحرك السوق العقارية نحو مزيد من ارتفاع حجم العرض، سيؤدي إلى انخفاض الأسعار مستقبلا على العكس تماما من الوضع الراهن، الذي يعزز قرارات الاحتفاظ بالأراضي لفترات زمنية أطول، والاستفادة من الارتفاع المطرد للأسعار السوقية دون أي عناء أو مخاطرة.

المقترح الثالث: أن تقوم اللجنة الوزارية برفع توصيتها لمزيد من تنفيذ بقية المراحل التنفيذية التالية "الثانية والثالثة" على نطاق أوسع من المدن والمحافظات، وألا تتجاوز الفترة الزمنية لكل مرحلة سقف ثلاثة أعوام بحد أقصى، والتأكيد على اعتماد تقييم أسعار الأراضي المشمولة بنظام الرسوم، على التقييم الناتج من الجهات المرخص لها في هذا المجال، والأخذ بالأسعار السوقية الدارجة وقت التقييم، وإلغاء الاعتماد على المنهجية المشار إليها في المقترح الأول.

المقترح الرابع: سيكون مناسبا جدا أن توصي اللجنة الوزارية بتحويل عملية تحصيل رسوم الأراضي من المكلفين إلى هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، الذي سيضفي كثيرا من الكفاءة والفعالية اللازمة على آليات التحصيل، نظرا لما تمتلكه الهيئة من إمكانات وقدرات متميزة، تؤهلها بدرجة أفضل من غيرها من الأجهزة الأخرى، وهذا بدوره سيؤدي - بكل تأكيد - إلى رفع كفاءة نظام الرسوم على الأراضي البيضاء من جانب، ومن جانب آخر سيتيح لوزارة البلدية والشؤون القروية والإسكان فرصا أكبر للتقدم على طريق مهامها ومسؤولياتها الكبيرة الأخرى.

كما سيكون مناسبا جدا بناء على ما يستجد لدى اللجنة الوزارية من تطورات في هذا الاتجاه، أن تعمل على بحث خيارات تخصيص الجزء الأكبر من متحصلات الرسوم على الأراضي البيضاء لأجل تمويل عمليات التطوير والتشييد والبناء، وتشجيع ملاك الأراضي الراهنين على الاستفادة من تلك الخيارات التمويلية الأقل تكلفة عليهم، إضافة إلى بحث إمكانية تمويل حساب دعم القروض العقارية الممنوحة للأفراد المستفيدين من برنامج سكني.

* نقلا عن جريدة الاقتصادية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.