.
.
.
.

"ريادة الأعمال" عندما تحب ما تفعل وتفعل ما تحب

محمد المسعودي

نشر في: آخر تحديث:

مفاهيم ‬خاطئة ‬عن ‬ريادة ‬الأعمال يبذل فيها أصحاب المشروعات الصغيرة مجهوداً أكبر مما ينبغي مقارنةً بالعائد الذي يحصلون عليه، وينتهي الحال بمعظم مشروعاتهم إلى الانهيار، ليس بسبب عدم قيامهم بالعمل الكافي، وإنما لقيامهم بالعمل غير المناسب. فما أسباب فشل كثير من المؤسسات؟ وما الدروس التي يتعلمها أصحاب هذه المؤسسات؟ وما مقومات نجاح المشروعات الصغيرة؟

ترجع أصول المفاهيم الخاطئة حول ريادة الأعمال إلى الاعتقاد بأن كل من يؤسس مشروعاً صغيراً هو رائد أعمال، بينما الواقع هو أن معظم من ينشئون هذه المؤسسات ليسوا كذلك!

مايكل جيربر مؤلف كتاب "ريادة الأعمال من منظور صحيح" يعرض علينا السيناريو التالي لتوضيح الفكرة.. الموظف التقني هو شخص يستعين به صاحب العمل ليتولى مهام فنية، وفي يوم من الأيام تستحوذ على هذا الموظف التقني فكرة إنشاء مؤسسة خاصة، وتطارده فكرة الاستقلال أينما ذهب، فيقرر إنشاء مشروعه الخاص، وما إن يخبو شغف التقنيّ قليلاً، يسيطر عليه الإرهاق وتزول البهجة وصولاً للانهيار!.‬‬‬‬‬

ومنها يفترض كل التقنيين الذين ينشئون مؤسساتهم الخاصة أنهم ما داموا يفهمون الجوانب الفنية للمشروع الذي يؤسسونه، فمن المفترض أن يفهمون الجوانب الإدارية التي تقوم عليها المؤسسة، لكن الأمر ليس كذلك، إذ سيجد التقني نفسه مجبراً على تعلم كيفية إدارة الأعمال وليس أداء العمل بنفسه. وفجأة تتحول المهمة التي كان يتقنها جيداً إلى واحدة من بين عدة مهام أخرى لم يتقنها بعد، فرغم أن المؤسسة بدأت بفكرة ريادية، فإن ذلك التقني صاحب الفكرة هو الذي يجب أن ينفذها، وهكذا يتحول حلم رائد الأعمال إلى كابوس التقني.

مايكل جيربر يوجه أيضاً في جزئية "لماذا تفشل معظم المشروعات الصغيرة، وكيف نتجنب الأخطاء؟" نصيحة مغرية.. يا رائد ‬الأعمال ‬أو أيها المدير أ‬و التقني حين تُنشئ مؤسستك الخاصة، فإنه قد تتكوّن لديك ثلاث شخصيات مختلفة في نفس الوقت: شخصية رائد الأعمال، وشخصية المدير، وشخصية الخبير التقني، وكلٌّ من هذه الشخصيات الثلاث يرفض أن تديره أيٌّ من الشخصيتين الأخريين، فيبدأ الصراع. رائد الأعمال هو صاحب الرؤية، الذي يحوِّل الأوضاع البسيطة إلى فرص استثنائية، فهو حالم يركز على المستقبل، أما المدير فهو صاحب الأوامر وواضع النُّظم، وتتسم شخصيته بالبراغماتية، فهو يعيش في الماضي ويتمسك بالوضع الراهن، أما الخبير التقني فهو المُنفِّذ الذي يرغب في إنجاز العمل، ولا يحب المقاطعات، ويعيش في الوقت الحاضر.

إذا وُجِدت هذه الشخصيات الثلاث بنسب متكافئة في الشخص، يمكن وصفه بالكفاءة المذهلة، لكن في العادة تبلغ نسبة حضور الشخصية الريادية في صاحب مؤسسة صغيرة 10 %، وشخصية المدير 20 %، ويبقى لشخصية التقني 70 %.

ومما سبق، لا يشترط أيضاً أن يكون "رواد الأعمال" كذلك في الأساس رجال أعمالٍ، وذلك ما نجحت فيه منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO) بإدخال مناهج ريادة الأعمال في أكثر من 11 دولة حول العالم، لتعليم ملايين الطلاب مهارات الريادة، والتي لا تنحصر فقط على المهارات اللازمة لبدء وإدارة الأعمال، لكنها تشمل أيضا مهارات حياتية ذات أهمية كالتواصل والقيادة والإبداع وإدارة المخاطر، والعمل في مجموعات، وتشجيع الطلاب على إيجاد حلول خلاقة للمشكلات بأنفسهم، على عكس تقديمها مباشرةً لهم.

ففي أوروبا، يعتني الآلاف من الشباب سنوياً بتعلم ريادة الأعمال، لأن هذا بطبيعة الحال يخلق المهن، ويعزز الابتكارات الشخصية، وإنشاء الشركات المبتدئة، فهناك في مدريد مثلاً، مقر لواحدة من أكبر شركات صناعة السيارات الكورية لصاحبها "ديفيد ماتا"، وهو رجل أعمال في السابعة والعشرين من العمر قام بتصميم وتسويق هذه الماركة الحديثة بفضل دراسته لعلم ريادة الأعمال، ومثل ديفيد في مدريد، هناك الكثير من الأمثلة في أنحاء أوروبا والعالم.

ختاماً، لا بد من فتح آفاق شبابنا اليوم نحو علم "ريادة الأعمال" لأهميته في عصرهم المتسارع ومستقبلهم الجامح معاً، وليبقوا ذوي مسؤولية يعملون بشغف وإصرار وثقة وقد أخذوا على أنفسهم مهمة "تغيير العالم"، وخلق شكل جديد ممتع للحياة يحبّونه ويبتكرون فيه، وهنا يكمن السرّ؛ أن تحب ما تفعل وتفعل ما تحب.

* نقلا عن جريدة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.