.
.
.
.

تحديات التطوير والاستدامة لكفاءة الإنفاق في المملكة .. حلول مقترحة

د. عبدالرحمن بن علي الجبر

نشر في: آخر تحديث:

يمثل الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة أحد أهم الأهداف الإستراتيجية للدول؛ لما له من تأثير مباشر وملموس على عدد الخدمات المقدمة للمواطنين وجودتها، وفي ضوء ذلك تسعى الدول إلى استخدام مواردها المتاحة لتقديم أكبر عدد ممكن من الخدمات وفي مقدمتها التعليمية والصحية والاجتماعية وفق أعلى مستويات الجودة، مما ينعكس إيجاباً على تحقيق رفاهية وجودة حياة المواطنين.

ولم تغفل الرؤية المباركة للمملكة العربية السعودية (رؤية 2030) عن ذلك؛ حيث أطلقت برنامج تحقيق التوازن المالي في ديسمبر عام 2016، والذي حمل في طياته هدف تحقيق كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، بجانب مجموعة من الأهداف: كزيادة الإيرادات غير النفطية، ورفع كفاءة الدعم الحكومي، وتحقيق استدامة نمو القطاع الخاص، وزيادة مستوى المسؤولية المالية في جميع الجهات الحكومية، والتي تسعى في مجملها إلى تطوير المالية العامة للدولة، وتحقيق التوازن المالي بين عنصري الإيرادات والنفقات بحلول عام 2023م، وتحقيق الاستدامة المالية. ولتحقيق هدف رفع مستوى كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، نتج عن برنامج التوازن المالي تحويل مكتب ترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي المؤسس في مايو 2016م (بموجب الأمر السامي الكريم رقم 36850 وتاريخ 28/07/1437هـ) إلى مركز تحقيق كفاءة الإنفاق في عام 2018م (بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 539 وتاريخ 19/10/1439هـ) وأخيراً إلى هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية، بعد ضم البرنامج الوطني لدعم إدارة المشروعات والتشغيل والصيانة في الجهات العامة للمركز في عام 2021م (بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 389 وتاريخ 11/07/1442هـ).

وتشمل أدوار هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية مساندة مختلف الجهات الحكومية لترشيد الإنفاق الرأسمالي؛ بحيث يتم تركيز الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية من الناحية التنموية والاقتصادية، أخذاً في الاعتبار مقدار الحاجة الحقيقية من هذه المشاريع وفقاً لدراسات السعة والطلب والهندسة القيمية، وكذلك مساندة الجهات لترشيد الإنفاق التشغيلي؛ بحيث يتم تركيز الإنفاق على البنود الضرورية والمضيفة للقيمة، ووفق معايير محددة تحدّ من الهدْر. ورغم حداثة نشأة الهيئة، إلا أنها تُقدم دعماً غير مسبوق للجهات الحكومية لمساندتها للقيام بالمهام المنوطة بها حيال كفاءة الإنفاق؛ وذلك عن طريق إعداد الأدلة الإجرائية، وعقد الدورات التدريبية وورش العمل، والتقييم الدوري لممارسات كفاءة الإنفاق لدى الجهات.

وقد بيَّنت الهيئة من خلال هذه الأدلة والدورات والورش المنهجية الملائمة لتحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق، والتي تعتمد على مفهوم التكاليف المعيارية القائم على احتساب مؤشرات التكلفة – مثل: تكلفة الصيانة أو النظافة للمتر المربع، أو تكلفة البحث العلمي للدراسة البحثية – لأهم بنود التكلفة بميزانيات الجهات باستخدام العوامل المؤثرة على إنفاق هذه البنود (أو ما يسمى بمحركات التكلفة Cost Drivers)، ومن ثَمَّ مقارنة تلك المؤشرات مع المعايير المحلية والدولية لها وتحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق – إن وجدت – الناتجة عن تجاوز المؤشرات الفعلية للتكلفة للمعايير، والعمل على استغلال الفرص عن طريق تدشين مبادرات مخصصة لها. كما أشارت الهيئة في منشوراتها إلى أهمية قيام الجهات الحكومية باحتساب تكاليف خدماتها ومقارنتها مع أفضل الممارسات المحلية والدولية كأحد السبل الداعمة لاستدامة ممارسات كفاءة الإنفاق بها.

وفي هذا المقال، نود أن نلقي الضوء على اثنين من أبرز التحديات التي تواجه الهيئة، والتي تتعلق بتطبيق منهجية تحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق، وباستدامة تطبيق ممارسات كفاءة الإنفاق في الجهات الحكومية، بالإضافة إلى الحلول المقترحة لتجاوز هذه التحديات. ويشمل التحدي الأول قيام هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية بتطوير المعايير المحلية أو الدولية لمؤشرات بنود التكلفة ومشاركتها مع الجهات الحكومية، والذي يعدّ أمراً ضرورياً لتطبيق منهجية تحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق بدقة وفاعلية، وبالشكل الذي يُمكِّن من تسخير الجهود نحو استغلال وتطبيق فرص حقيقية ومؤثرة لرفع كفاءة الإنفاق. ولتجاوز هذا التحدي، فإن المقترح الأول يتضمن قيام الهيئة بإعداد قائمة بالمعايير المحلية لمؤشرات بنود التكلفة ومنهجية احتساب كل منها – أخذاً في الاعتبار اختلافات طبيعة أعمال وخدمات الجهات الحكومية – وتزويد الجهات الحكومية بالقائمة للاستفادة منها عند تطبيق المنهجية.

ويمكن للهيئة إعداد هذه القائمة عن طريق القيام بدراسات لكل بند من بنود التكلفة مع الاسترشاد بالبيانات الفعلية لمؤشرات التكلفة الخاصة بالجهات الحكومية، والتي يمكن الحصول عليها من خلال تكوين قاعدة بيانات لهذه المؤشرات تُغذى من قبل الجهات الحكومية، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة المراجعة والتعديل المستمر للمعايير. وعلى الرغم من توافر معايير دولية لمؤشرات بنود التكلفة، إلا أن المقترح يركّز على المعايير المحلية لكونها أكثر ملاءمة للبيئة المحلية، وذلك بسبب – علاوة على استرشادها بالمعايير الدولية – أخذها في الحسبان الظروف الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الظروف المحلية المؤثرة في احتساب المعايير المناسبة. إن هذا المقترح سوف يسهم كذلك في تعزيز استدامة تطبيق ممارسات كفاءة الإنفاق في الجهات الحكومية؛ وذلك من خلال إسهامه في تجويد عملية إعداد الجهات الحكومية للموازنات التقديرية، نتيجة إتاحة معايير لمؤشرات التكلفة يمكن الاعتماد عليها من قِبل الجهات الحكومية عند إعداد الموازنات؛ الأمر الذي يحدّ من أي هدْر أو نقص في تقديرات بنود التكاليف المُدرجة بالموازنة التقديرية، وأيضاً من خلال إسهامه في زيادة كفاءة عملية مناقشة الجهات الحكومية لموازناتها التقديرية مع وزارة المالية؛ وذلك لتوفيره أسس ومعايير واضحة يمكن الاعتماد عليها أثناء المناقشة.

أما التحدي الثاني الذي يواجه هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية فهو إطلاق الهيئة لمشروع تصميم وتطبيق أنظمة تكاليف بالجهات الحكومية لغرض احتساب التكلفة الإجمالية الفعلية للخدمات المُقدمة من الجهات (كتكلفة الدراسة الجامعية للطالب في التخصصات الإنسانية أو التطبيقية، أو تكلفة خدمة النظافة للمتر في المدينة أو المحافظة، أو تكلفة علاج المريض في المستشفيات العامة أو المتخصصة)، وكذلك قيام الهيئة باحتساب التكاليف المعيارية لهذه الخدمات وتزويدها للجهات الحكومية لأغراض المقارنة والمتابعة المستمرة؛ الأمر الذي يُمثل ضرورة لاستدامة تطبيق ممارسات كفاءة الإنفاق في الجهات الحكومية. ولتجاوز هذا التحدي، فإن المقترح الثاني يشمل تعاون الهيئة مع وزارة المالية والجهات الحكومية والجامعات والمنظمات المهنية لتصميم أنظمة تكاليف وتطبيقها بالجهات؛ بهدف احتساب التكلفة الإجمالية الفعلية للخدمات المقدمة من الجهات الحكومية وفق منهجية موحدة، أخذاً في الاعتبار اختلافات طبيعة الأعمال والخدمات المقدمة من الجهات.

كما يشمل هذا المقترح قيام الهيئة بإعداد قائمة بالتكاليف المعيارية لهذه الخدمات – من واقع الدراسات والبيانات الفعلية المستقاة من الجهات الحكومية – وإلزام الجهات الحكومية باستخدامها للمقارنة مع إجمالي تكاليف خدماتها الفعلية، واحتساب الانحرافات – إن وجدت – والعمل على تحليلها لمعالجة السلبي منها (عندما تفوق التكاليف الفعلية التكاليف المعيارية) والاستفادة من الإيجابي منها (عندما تنخفض التكاليف الفعلية عن التكاليف المعيارية). ولتطبيق المقترح الثاني يمكن للهيئة الاسترشاد بالممارسات الدولية في هذا المجال، والتي من أبرزها مشروع نورث كارولاينا لقياس أداء الحكومة المحلية (North Carolina Local Government Performance Measurement Project) أو ما يعرف بمشروع نورث كارولاينا للمقارنة المعيارية (North Carolina Benchmarking Project)، والذي يعتمد على قيام الجهات الحكومية بتطبيق أنظمة تكاليف لاحتساب التكاليف الإجمالية الفعلية للخدمات وفق منهجية موحدة، وتزويد بيانات التكاليف بشكل سنوي لجهة متخصصة تُدير المشروع لمراجعتها وتعديلها – إذا لزم الأمر – والتقرير عنها بالشكل الذي يوضح نتائج مقارنة بيانات التكاليف الإجمالية الفعلية للخدمات مع التكاليف المعيارية المطورة لها باستخدام بيانات التكاليف الفعلية للجهات الحكومية. إن الهدف من عملية المقارنة هو قيام الجهات الحكومية بتقييم الأداء كخطوة أولى نحو تحسينه – إذا لزم الأمر- عن طريق اتخاذ الإجراءات التصحيحية بما يضمن الاستغلال الأمثل للموارد وتحقيق رفاهية المواطنين.

ولا شك أن إمكانية تطبيق ونجاح ممارسات كفاءة الإنفاق بشكل عام و المقترحين المشار إليهما أعلاه بشكل خاص يصاحبهما بعض المعوقات التي يجب أن تؤخذ في الحسبان.

أولاً، من الصعب أن يتم العمل على مشروع تحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق عن طريق فِرق رفع كفاءة الإنفاق المكونة حالياً بالجهات الحكومية – والتي تتكون من مجموعة من المسؤولين الملتزمين بأعمال إدارية بخلاف تلك المتعلقة بكفاءة الإنفاق – من دون وجود موارد بشرية داعمة لجمع وتحليل البيانات اللازمة لتحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق وصُنع ومتابعة المبادرات والتقارير الشهرية المتعلقة بها. وهذا ليس تقليلاً من شأن التكوين المعمول به حالياً لفِرق رفع كفاءة الإنفاق، والذي يتضمن مسؤولين إداريين تتقاطع أعمالهم بشكل مباشر مع ممارسات كفاءة الإنفاق، كمسؤولي المشتريات والمشاريع التشغيلية والرأسمالية والتخطيط الإستراتيجي والميزانية والمالية والموارد البشرية والمراجعة الداخلية؛ ولكنه تأكيد لأهمية توفير الدعم اللازم لقيام الفِرق بمهامها. وقد يكون من الأنسب البدء حالياً بتخصيص موظف أو مجموعة من الموظفين – بحسب حجم الجهة الحكومية – تكون مسؤوليتهم منحصرة في دعم أعمال فريق كفاءة الإنفاق، ومستقبلاً في دراسة مدى الحاجة لتكوين وحدات مستقلة لدعم أعمال كفاءة الإنفاق.

ثانياً، أن العمل على مشروع تحديد فرص رفع كفاءة الإنفاق يستلزم تعاون جميع الوحدات الإدارية بالجهات الحكومية مع فريق كفاءة الإنفاق بالجهة، وعليه، فقد يكون من المناسب أن تقوم الهيئة بالتنسيق مع مسؤولي الجهات الحكومية لإبلاغ جميع الوحدات الإدارية بهذه الجهات بضرورة التعاون التام مع فِرق كفاءة الإنفاق والالتزام بتوفير البيانات المطلوبة وفق أطر زمنية ملائمة لطبيعة هذه البيانات.

ثالثاً، توجد اختلافات في مسميات واعداد البرامج التشغيلية بميزانيات الجهات الحكومية، واختلافات كذلك في العقود المندرجة تحت هذه البرامج؛ فعلى سبيل المثال، قد يكون هناك برنامج تشغيلي بمسمى صيانة المباني في ميزانية إحدى الجهات الحكومية يشمل جميع أعمال الصيانة، بينما بميزانية جهة حكومية أخرى يوجد أكثر من برنامج تشغيلي للصيانة. وعليه، يجب على الهيئة وعلى الجهات الحكومية عدم إغفال هذه الاختلافات عند احتساب مؤشرات بنود التكلفة لضمان الدقة في احتسابها وفي استخراج فرص رفع كفاءة الإنفاق.

رابعاً، أن تطبيق نظام التكاليف لاستخراج تكاليف للخدمات المتشابهة التي تقدمها جهات مختلفة (مثل: تكلفة تعليم الطالب الجامعي بالجامعات) يستلزم توحيد منهجية احتساب تكاليف هذه الخدمات؛ بحيث يمكن مقارنتها لأغراض تقييم وتحسين الأداء وتحقيق كفاءة الإنفاق. وعليه، فإن على الهيئة التحقق من وجود الموارد الكافية لإدارة مشروع تطبيق أنظمة التكاليف، والتحقق من مقدرتها على تخصيص مجموعة متخصصة من موظفيها لكل مجموعة جهات حكومية تقدم الخدمة ذاتها (مثل: الجامعات أو المستشفيات) لضمان توحيد استخدام أنظمة التكاليف في هذه الجهات وإصدار بيانات تكاليف قابلة للمقارنة. ويمكن للهيئة أيضاً الاستفادة من الممارسات الدولية في هذا المجال.

خامساً، أن تطبيق نظام تكاليف بالجهات الحكومية يستلزم التأهيل في مجال محاسبة التكاليف للموارد البشرية للعاملين بالإدارات المالية بشكل رئيس؛ وذلك لمحدودية ممارسات محاسبة التكاليف في النظام المحاسبي الحكومي المبني على الأساس النقدي، ونظام موازنة البنود المعمول بهما حالياً بشكل رئيس في القطاع العام بالمملكة العربية السعودية.

وهنا فقد يكون من المناسب تعاون الهيئة مع وزارة المالية لإدراج برامج تدريبية متعلقة بمحاسبة التكاليف في حِزم البرامج التدريبية التي ستوفرها الوزارة لموظفي الإدارات المالية للتحول إلى تطبيق أساس الاستحقاق في النظام المحاسبي الحكومي، كما يمكن دراسة إنشاء وحدات لمحاسبة التكاليف تكون تابعة للإدارات المالية، وتتمثل مهامها في العمل على نظم التكاليف المقترح تطبيقها بالجهات لاحتساب تكاليف الخدمات وإجراء المقارنات واحتساب الانحرافات وتحليلها، إضافة إلى دعم أعمال فِرق كفاءة الإنفاق.

ويمكن كذلك الاستفادة من هذه الوحدات لاحتساب تكاليف الخدمات التي تُقدم من بعض الجهات الحكومية بمقابل (مثل: خدمات التعليم عن بُعد بالجامعات، وبعض الخدمات الصحية المقدمة من المستشفيات العامة) وتحديد السعر المناسب لها.

سادساً، أن تطبيق نظام التكاليف بشكل فاعل في الجهات الحكومية يستلزم إيجاد الإطار النظامي المُلزِم لتفعيله، وهنا قد يكون من المناسب إدراج قسم خاص بأعمال محاسبة التكاليف ضمن التعليمات المالية والمحاسبية السنوية التي تصدرها وزارة المالية للجهات الحكومية.

وختاماً، لقد قطعت هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية أشواطاً طويلة في تطوير وتطبيق واستدامة مفهوم كفاءة الإنفاق في الجهات الحكومية لتحقيق أحد أهم الأهداف الإستراتيجية لرؤية (2030) والمتعلق بترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، ونحن على ثقة بحرصها على تبني أي مما شأنه مساعدتها ومساعدة الجهات الحكومية على تطوير العمل ليلائم أفضل الممارسات سعياً منها لرفع مستوى جودة حياة ورفاهية المواطنين.

* صحيفة مال السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.