.
.
.
.

نظرة قريبة على الأمن الغذائي في العراق

ثامر محمود العاني

نشر في: آخر تحديث:

لَقد تبلورت مُشكلة الأمن الغذائي في العقدين الأخيرين بفعل معايير خاصّة، كالنمو السكّاني المطّرَد وما ترتب عليهِ من طلب مُتزايد من المواد الغذائيّة، أو إشغال مَساحات إضافيّة من الأرض للسكن والإعمار غالباً ما تكون على حساب الأرض الزراعية المُعدّة لإنتاج المواد الغذائيّة. كذلك محدوديّة مساحة الأرض الزراعية، قياساً بالتزايد السكّاني، وثبات معدّلات إنتاجية الهكتار الزراعي، ونقص المياه اللازمة، بسبب التغييرات السكّانية والبيئيّة وتأثيرات العوامل السياسيّة والدوليّة.

هذهِ الأمور جعلت من مشكلة الأمن الغذائي، مشكلة عامّة لا تفرّق بين مُجتمعٍ وآخر وبين أُمّة وأُخرى. إنّ الواقع الزراعي محكوم حاليّاً بعدّة عوامل، مثل واقع النظام السياسي، حيث يعيش العراق نظاماً سياسياً لم ينجح في التعامل العلمي والمهني مع مشاريع التنمية الزراعية الحديثة، وبرامج الاكتفاء الذاتي، وطبيعة الأرض والمياه، حيث تعاني الأرض الزراعية في الوقت الحاضر من انحسار كبير في المساحة المزروعة، يرافقه انخفاض في عائدية الهكتار الزراعية، مع ارتفاع في ملوحة التربة، مع ندرة في كميات المياه المستعملة ونقص في مشاريع البزل والتصريف، هذهِ المشكلات هي حصيلة تراكم أخطاء تتطلب جهوداً استثنائية لمعالجتها، إذ بلغت مساهمة قطاع الزراعة والصيد والغابات 2.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العراق في عام 2020 وهو يشكل نسبة منخفضة جداً بالمقارنة مع معظم الدول العربية، وفقا لإحصاءات التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2021.

أما الوضع الاجتماعي والتركيبة السكانيّة وتدني المستوى العلمي والتقني، فالعراق يعيش وضعاً اجتماعياً لا يبعث على التفاؤل، بفعل عدم كفاءة الإدارة الحكومية لهذا الموضوع، فأثّرت بشكل لا يقبل الشك على نفسية المواطن وقدراته الإبداعية، وقد ساعد على ذلكَ الهجرات غير المنتظمة وغير المدروسة بين مختلف قطاعات المجتمع ومناطقهِ. إنّ هذهِ المشكلة، تتطلب جهداً غير عادي لإعادة تأهيل وبناء الإنسان لأنّه العمود الفقري لأي بناء وتنمية.

إنّ مستقبل الأمن الغذائي، يعتمد بشكل كُلّي على تحقيق خطوات سابقة، لا يُمكنُ القفز عليها، هذهِ الخطوات تجاوزتها بلدانٌ أُخرى أو كادت، فحقَّ لها التكلّم عن الأمن الغذائي، أمّا في العراق فمستقبل الأمن الغذائي مرهون بتحقيق إصلاح عام، من خلال خطط تنموية شاملة في ظل استقرار سياسي واجتماعي.

شهد العراق وضعاً سياسياً وإدارياً مربكاً بعد عام 2003 مما انعكس بشكل خطير على قطاع الزراعة والأمن الغذائي. فالنظام السياسي الجديد لم ينجح في إعداد برامج واضحة لإدارة الدولة أو خطط تنموية للنهوض بالاقتصاد الوطني المتدهور. على ضوء ذلك واجه قطاع الزراعة كغيره من القطاعات إهمالاً واضحاً كما هو ملاحظ من عدم دعم الإنتاج الزراعي واعتماد الدولة على الاستيراد لسد حاجة المواطن، وتشير التقارير إلى أن التركيز على الاستيراد قد كان تحت تأثير الفساد الإداري المنظم والمدعوم من جهات سياسية حاكمة مستفيدة من عوائد عقود وزارة التجارة ولو على حساب تشجيع الزراعة والمنتج الوطني.

يُمكِنُ القول بوجود مقوّمات جيدة للزراعة في العراق، من مناخ ومصادر مائيّة وأراضٍ زراعيّة، وقوّة عاملة وإمكانيات ماديّة ومعنويّة. هذهِ المقوّمات تواجه مشكلات حقيقيّة، بعضها ذاتي، أي نابع بفعل عوامل طبيعيّة، كما هو في ارتفاع نسبة الأملاح في التربة، بسبب ما تحمله مياه الأنهار من أملاح خلال مرورها بالمناطق الملحيّة، وقد ساهمت عوامل ارتفاع درجات الحرارة والتبخر، وتخلّف مشاريع البزل، وسوء استخدام المياه وغياب الخطط الشاملة في تعقيد المشكلة.

وبعض المُشكلات بفعل عوامل موضوعيّة، إقليمية ودولية، كما هو في نقص كميات المياه المتدفّقة، بسبب التحكّم التركي والإيراني وغياب القانون الدولي الذي يُنظّم حقوق المياه، وعوامل داخليّة، كما هو في مشكلات التقنية الزراعية ومشكلات الإنتاج الحيواني، والوضع السياسي والتركيبة الاجتماعية، التي تأثرت بظواهر الحروب والهجرات غير المنظمة، مما انعكس على العلاقة بالأرض وأنماط استغلالها.

ومن أجل الاستخدام الأمثل للأراضي الزراعية، ضرورة القيام بمسح جديد للأرض لمعرفة مساحة الأرض الزراعية، وكذلك المتأثرة بالملوحة من أجل استصلاحها، وغير الصالحة من أجل المعالجة وفق المعطيات الصحيحة. ويجب إعادة النظر في البرامج السائدة، من حيث كيفية التعامل مع الثروة المائية المتاحة.

وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الأمن الغذائي والزراعي في العراق، اجتاح وباء «كورونا» العالم بسرعة وتحول من أزمة صحية إلى جائحة أصابت المرافق الحيوية في اقتصاد العالم وحياته الاجتماعية، وشملت آثارها السلبية العميقة قطاعات الأعمال والطاقة والأمن الغذائي والخدمات للسنة الثانية على التوالي، ووجد العالم نفسه ومن ضمنه العراق، في مواجهة أكثر الكوارث خطراً، حيث تأثر أربعة من كل خمسة عمال في العالم بالجائحة كما وصل تأثيرها إلى ملياري شخص في الوظائف غير الرسمية وفقاً لمنظمة العمل الدولية.

وعلى صعيد الأمن الغذائي، أشارت المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى تأثير انخفاض أسعار الطاقة والتباطؤ الاقتصادي على قدرة الدول العربية ومنها العراق على تأمين حاجاته من الغذاء وانخفاض مخزوناته الاستراتيجية من الغذاء، وإلى التأثير على سوق العمل وزيادة أعداد البطالة والفقر وانعكاسات ذلك على الأمن الغذائي عموماً من حيث النفاذ إلى الغذاء وسوء التغذية.

وقد أوصت المنظمة العربية للتنمية الزراعية الدول العربية والعراق باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير لمواجهة تداعيات الجائحة على الأمن الغذائي. وقدرت الأمم المتحدة إن 4.3 مليون شخص فقدوا وظائفهم في المنطقة العربية مما فاقم من عدد الفقراء ليرتفع إجمالي عددهم في الدول العربية إلى أكثر من 115 مليون نسمة، أي أن حوالي ربع عدد سكان المنطقة من الفقراء ومحدودي الدخل، وهي شريحة محدودة القدرة على النفاذ إلى الغذاء سواء في العراق أو المنطقة العربية.

ومن الجدير بالإشارة، عملت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في العراق (فاو) استطلاعاً للرأي حول الأمن الغذائي منذ بداية الجائحة بمقابلة المزارعين والمسؤولين والشركات الصغيرة والمتوسطة، والهدف منه هو التوقف عند حالتها، حيث وجد أن 60 في المائة قد تأثروا بنسبة معينة من جائحة «كورونا» بانخفاض الأسعار وعدم الحصول على المواد الأولية وحركة الإغلاق، كما أن العديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كانت في طريقها للإغلاق بسبب توقف عملها، ولكن بعد تحسن الموقف انخفضت نسبة التوقف إلى 30 في المائة.

وفي تقديري، أرى أن الاجتماعات التي ستنظم بشأن الأنظمة الغذائية والتغذية والأمن الغذائي في السنوات المقبلة، تشكل فرصاً لإعادة هذه القضايا إلى الواجهة، لكي تكون هناك مقاربات مدروسة بدرجة أكبر على المستوى العالمي لوضع سياسات واستثمارات تسمح بدراسة ومعالجة هذه القضايا في ضوء التطورات الدولية التي تحصل في مجال الأمن الغذائي والانعكاسات التي تفرضها جائحة «كورونا» وأخواتها على المشهد العالمي بكل جوانبه.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.