.
.
.
.

الاقتصاد الدائري.. ماهيته وأهميته!

د. عبدالله الشعلان

نشر في: آخر تحديث:

يُعرّف الاقتصاديون مصطلح "الاقتصاد الدائري" على أنه نموذج اقتصادي حيوي نشط يحفز على التحكم بشكل أكبر في الموارد والإمكانات، ويستهدف تقليل الهدر في المواد الخام والمستخدمة والسلع والطاقة، والاستفادة منها قدر الإمكان بما ينعكس على خفض الإنفاق وترشيد الاستهلاك وتقليص الانبعاثات وتقليل النفايات وتحسين البيئة، كما يسهم الاقتصاد الدائري في تعظيم الاستفادة من جميع المواد الخام والمعادن والموارد بمختلف حالاتها وأشكالها وأنماطها، فضلاً عن إطلاق عمليات إعادة التدوير والتصنيع والتطوير والاستخدام، كما يعمل على تغيير في شكل المواد الخام لتعظيم قيمتها وجعلها أكثر ملاءمة لحاجات الإنسان ومتطلباته، وتبرز أهميته في تحسين ورفع مستوى المعيشة للإنسان بما تدره من عوائد مادية وما توفره من رفاهية بنتاجاتها المختلفة، ناهيك عن أنها وسيلة مهمة لتشغيل الأيدي العاملة مع ما تسهم به هذه الصناعة من تطوير للنشاطات الاقتصادية الأخرى، كالزراعة والتجارة، والنقل بما تقدمه من منتجات أساسية، كالمخصبات والآلات الزراعية ومواد الطاقة ووسائل النقل الحديثة، كما ساعد مع انبثاق الثورة الصناعية الرابعة ظهور التقنيات الحديثة التي تشكلت ملامحها في الذكاء الاصطناعي، وتحليل وفرز ونقل البيانات وإنترنت الأشياء وتقنية النانو، مما أسهمت جميعها في انتعاش كثير من القطاعات الصناعية والإنتاجية المختلفة. إذن نحن نعني بأن مفهوم الاقتصاد الدائري يعني بوجه عام كيفية تطوير الأنظمة الإنتاجية والاستهلاكية والتعريف بقيمة الأشياء وأهمية الاستخدام الفعال وتقليل الآثار السلبية الناجمة عن الأنماط الاقتصادية التقليدية، كما أنه يسهم في خلق فرص اقتصادية واستثمارية أفضل للشركات والمؤسسات، فضلاً على المزايا البيئية والصحية والاجتماعية. وهذا المصطلح لا يُعدُّ مصطلحاً وليد السنوات الأخيرة، بل إنه يضرب بجذور عميقة في عالمنا منذ عقود عند ابتكار مفهوم التدوير وإعادة الاستخدام، وظهر بشكل واضح في الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية عندما حاولت حكومات عدَّة استغلال التقنيات والمكننة في إعادة التصنيع والتوجه نحو تطوير ما لديها من مواد وإعادة تدويرها وتصنيعها، بل وسن تشريعات داعمة وفرض قوانين ملزمة على صناعات وقطاعات متعددة أدت إلى الكثير من التغييرات كخفض انبعاثات الكربون، ومكافحة التغيرات المناخية، وإطلاق مبادرات لإعادة الاستخدام وزيادة الاستفادة من المواد والنفايات المهدرة من صناعات مختلفة وإدارتها على النحو الأمثل.

من هنا يأتي دور الاقتصاد الدائري في إعادة السياسات الحكومية والمالية والاقتصادية إلى مسارها الداعم للبيئة والمجتمعات ودورة الحياة وتلبية أهداف حماية المناخ وكوكب الأرض، ومن هنا أيضاً يستفيد العالم من المبادرات البيئية التي أطلقت مؤخراً على مستوى العالم لمكافحة التغيرات المناخية والتحول نحو اقتصادات صفرية الانبعاثات الكربونية في شتى القطاعات.

تستخدم الأنظمة الدائرية إعادة الاستخدام والمشاركة والإصلاح والتجديد وإعادة التصنيع وإعادة التدوير لإنشاء نظام حلقة مغلقة، ما يقلل استخدام مدخلات الموارد إلى الحد الأدنى ويخفض تلوث النفايات وانبعاثات الكربون، كما أن الاقتصاد الدائري يهدف إلى الحفاظ على استخدام المنتجات والمعدات والبنية التحتية بشكل أمثل ولفترة أطول، وبالتالي تحسين إنتاجية هذه الموارد، كذلك تصبح جميع "النفايات" «غذاءً» لعملية أخرى: إما منتجًا ثانويًا مجديًا أو موردًا مسترجعًا صالحًا لعملية صناعية أخرى.

لقد تطوّر الفهم المعاصر للاقتصاد الدائري وتطبيقاته العملية على النظم الاقتصادية، بحيث يرى مؤيدو هذا التوجه أنه لا يعني انخفاضًا في نوعية الحياة للمستهلكين بل يمكن تحقيقه من دون نقص في الإيرادات أو زيادة في التكاليف الإضافية للمصنعين والمنتجات الصناعية، إذن نستطيع أن نقول وبشكل بدهي إن الاقتصاد الدائري أكثر استدامة من النظام الاقتصادي النمطي الخطي، حيث يعتمد تقليل الموارد المستخدمة والنفايات الناجمة عن الهدر أو التسرب، ويحفظ الموارد، ويساعد على تقليل التلوث البيئي، ويعمل على سد الفجوة بين دورات الإنتاج ودورات النظم البيئية الطبيعية التي تعتمد عليها حياة المجتمعات البشرية ورفاهيتها والحفاظ على مواردها ومقدراتها.

* نقلا عن جريدة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.