.
.
.
.

التحول للاقتصاد الرقمي ودوره في التنمية الاقتصادية

د. أحمد بن ناصر الراجحي

نشر في: آخر تحديث:

في إطار تسريع التحول الرقمي الذي تعيشه المملكة العربية السعودية والذي رسمته رؤية المملكة 2030، سيتم غداً الأربعاء إطلاق عدد من المبادرات التقنية وذلك بالشراكة مع جهات محلية من القطاعين الحكومي والخاص وشركات دولية، لما في ذلك من خدمة للمجتمعات التقنية في المملكة والمنطقة ويسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة.

ويًعد التحول الرقمي وثورة المعلومات والاتصالات التي يشهدها العالم حالياً بمثابة نقلة نوعية تنموية لا تقل أهمية عن الثورة الصناعية منعطفاً تاريخياً في مسيرة التنمية الاقتصادية التي شهدتها البشرية. فالتحول الرقمي قد دخل جميع القطاعات الاقتصادية والخدمية والاجتماعية، وغدا يغطي نطاقاً واسعاً من جوانب الاقتصاد مما أعطاه وصف الاقتصاد الرقمي، بحيث أصبح بمثابة الوجه المتطور للاقتصاد التقليدي وليس فقط أحد قطاعاته.

يتكون الاقتصاد الرقمي من نشاطات اقتصادية وتجارية ومالية يتم إنجازها من خلال ملايين العمليات المتزامنة التي تتم بين الأفراد والجهات الحكومية والخاصة باستخدام التقنيات الرقمية مثل تقنية “البلوك تشين”، والتي تمثل شبكة عالمية من الحواسيب يتم عبرها إتمام الصفقات وانتقال الأموال بشكل سريع ولا مركزي. وكذلك تقنية الذكاء الصناعي حيث الاعتماد على “الأتمتة” في اتخاذ القرارات. هذا النوع من الاقتصاد يعتمد كثيراً على الخدمات الرقمية القائمة على توفر بنية أساسية كفؤة يتم من خلالها تحويل الأشياء (المادية) إلى بيانات ضخمة ومعلومات يتم تبادلها بسرعة عالية عبر منظومة متكاملة من شبكات الاتصالات والانترنت.

المتطلبات الضرورية لرفع استخدام المجتمعات آليات الاقتصاد الرقمي تعتمد على توفر إمكانيات الاتصال من خلال شبكة إنترنت ذات تكلفة مقبولة، ونظم اتصالات مفتوحة وآمنة وذات جودة مناسبة، وهي متطلبات قد يصعب توفرها في مستوى متقدم وموحد بين دول العالم. تدل التجربة التاريخية للدول النامية على استفادتها نسبياً من ظهور الهواتف المحمولة لخصائص بنيتها التحتية، التي امتازت بإنشاء أبراج الاتصالات بسرعة أعلى وتكلفة أقل من نظيرتها في شبكات الهواتف الثابتة، التي واجهت عقبات بيروقراطية وطبوغرافية وتقنية حدت من توسعها وانتشارها.

ومن المؤسف أن استخدام الهواتف المحمولة في بعض الدول النامية لم يصاحبه توسع كمي متناسب ولا استخدام نوعي لخدمات الانترنت، كعصب رئيس للتحول الرقمي حيث ما زال 50% من سكان العالم محرومين منها. من ناحية أخرى، فإن أغلب شعوب الدول التي تتوفر لديها خدمات انترنت جيدة يقتصر استخدامهم لها على تطبيقات التواصل الاجتماعي وليس في التجارة الالكترونية أو للحصول على الخدمات المالية والبنكية التي يحتاجونها.

وترتبط درجة استفادة الدول من التحول الرقمي بمستوى التقدم الاقتصادي الذي حققته، فالدول ذات القطاع الصناعي المتطور وذات البنية الأساسية الجيدة تتميز بسهولة اندماج الرقمنة في أنشطتها الاقتصادية مقارنة بدول أخرى تنقصها هذه المقومات والدعم المؤسسي. ولأن الشيء بالشيء يذكر، حري أن نشيد بالدعم المباشر وغير المباشر الذي تتلقاه برامج التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية، فمثلاً يعمل صندوق التنمية الصناعي السعودي على أتمتة المصانع بالمملكة مع تمويل 75% من التكلفة وبفترة سداد لا تقل عن 7 سنوات. كما حرصت رؤية المملكة 2030 على تشجيع التوجه نحو الرقمنة في الاقتصاد السعودي وضرورة استفادة جميع فئات المجتمع منها، مما يفسر الانتشار الواسع للتعاملات الإلكترونية والذي أنجزته المملكة في زمن قصير مقارنة بالكثير من الدول. لذا فلا غرابة أن تحقق المملكة المستوى الخامس في مؤشر النضج التنظيمي وهو مقياس تم تطويره من قبل الاتحاد الأوروبي للاتصالات والذي يعكس مدى تحسن التطورات الرقمية للدول.

تأسيساً على ما تقدم، يمكننا القول أن قطار التحول نحو الاقتصاد الرقمي قد انطلق، وبالتالي فمدى نجاح الدول النامية للحاق به و في تحقيق أهدافها التنموية ورخاء مجتمعاتها يعتمد على مدى تبنيها لسياسات داعمة للتحولات الرقمية في كافة جوانب الاقتصاد. ولذا فمن الضرورة ان تتبنى الدول النامية برامج تعزيز الثقافة الرقمية والتوسع في استخدام طرق الدفع الحديثة ونشر التقنيات المالية والتي من شأنها تحديث القطاعات التقليدية في الاقتصاد وتسريع التأقلم مع التطورات التقنية وتقليص الفجوة التقنية بينها وبين الدول المتقدمة. ولذا، فإن المبادرات الرقمية الإقليمية التي تبنتها المملكة العربية السعودية ستصب مباشرة في هذا الهدف التنموي، وذلك من خلال بناء القدرات الوطنية ودعم الطاقات الشابة وتشجيع الابتكارات التي من شأنها تعزيز مكانة المملكة كمركز تقنية إقليمي، ويسهم في دفع عجلة التنمية المستدامة.

* نقلا عن جريدة مال السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.