.
.
.
.

محطات على طريق قطاع الطيران

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

أوليفييه يانكوفيتش، مدير المجلس الدولي للمطارات: "استئناف حركة النقل لن يعيد المطارات على الفور إلى وضع مالي سليم".

رغم الحراك الراهن لقطاع الطيران والسفر والسياحة على الساحة الدولية عموما، إلا أن آفاقه ليست واضحة تماما، ولا سيما في ظل حراك لا يزال متواضعا، بفعل عدم اكتمال خريطة التطعيم العالمية، إلى جانب أن النسبة الأكبر من شركات القطاع المشار إليه، تعاني أزمات مالية كبيرة، تتصدرها الديون الواجبة عليها. وهذا القطاع الذي كان أول القطاعات التي أصيبت من أزمة تفشي وباء كورونا العام الماضي، سيكون الأخير في الوصول إلى مرحلة التعافي، والعودة إلى مستوى ما كان عليه قبل الجائحة العالمية. فهيئة المطارات الأوروبية لم تكن متحفظة عندما أعلنت - قبل أيام - أن قطاع الطيران وما يرتبط به لن يشهد التعافي المأمول قبل عشرة أعوام على الأقل. بل حذرت من أن تعافيه المالي، سيكون على حساب الاستثمارات في مجال مكافحة التغير المناخي. وهذا صحيح إلى أبعد الحدود.

ففي مراحل التعافي تنزوي مسارات أخرى وإن كانت ذات أهمية، لأن الهدف يبقى دائما الخروج من النفق المظلم، وتحقيق الانتعاش الذي يضمن في النهاية تجاوز الأزمات والضغوط المالية لهذه المؤسسة أو تلك. وبعيدا عن هذه النقطة. فقد تكبدت المطارات الأوروبية في العام الماضي خسائر بلغت 12 مليار يورو، نتيجة توقف أو تراجع وتيرة النقل والسفر والشحن والخدمات الأخرى التي توفرها. ورغم العودة التدريجية لحراك السفر والسياحة والطيران، إلا أن أفضل التوقعات تتحدث عن أن هذا الحراك لن يعود إلى ما كان عليه في المرحلة التي سبقت انفجار كورونا قبل عام 2025. وهذه مدة طويلة، ستضع التعافي في مسار بطيء، بينما يتطلع قطاع الطيران عموما لتجاوز المصاعب، والانتقال إلى مرحلة النمو بأسرع وقت ممكن.

والحق أن قطاع الطيران تلقى دعما حكوميا كبيرا في كل الدول تقريبا، وكان أكبر من الدعم الذي تلقته المطارات في هذه الدول. ومع ذلك لا يمكن لهذا القطاع أن يعبر إلى المرحلة المقبلة، أو مرحلة النمو بالسرعة المطلوبة. فحتى أكثر السيناريوهات تفاؤلا، تتحدث عن أن عودة السياحة إلى مستويات ما كانت عليه في 2019 لن تتم قبل عام 2023. وهو تاريخ ليس مضمونا، إذا ما تعرض العالم لموجة جديدة من كورونا أو متحوراتها هنا وهناك. وكما بقية القطاعات الأخرى، لن تتوافر أي ضمانات قبل أن تصل عمليات التطعيم العالمية إلى مستويات جيدة. فعلى سبيل المثال، أقدمت أستراليا - قبل أيام - على إغلاق كامل، بسبب ارتفاع ملحوظ لعدد المصابين بفيروس كوفيد - 19. وهذا التوقف تسبب في مزيد من الخسائر لكل القطاعات وأولها كان قطاع الطيران.

وإذا كانت شركات الطيران في العالم الغربي تعاني كثيرا بسبب الأزمة الاقتصادية الراهنة، فإن شركات الطيران الوطنية في المحيط الهادئ تواجه صعوبات مالية متزايدة بالفعل. وفي دراسة لمعهد هانتر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، فإن حال هذه الشركات يعود أيضا إلى الوضع الضعيف قبل الوباء، واعتماد دول الهادئ على حركة الخطوط الجوية لدعم السياحة، والحيز المالي المحدود لتوفير الدعم المستمر أو المستقبلي لهذه الخطوط الجوية. ونظرا لاعتماد جزر هذه المنطقة الاتصال بشركات الطيران، في مجالات السياحة والتعليم وفرص العمل، والحصول على الرعاية الصحية وتسليم السلع والخدمات، فإن حكومات هذه الدول اضطرت لامتلاك شركات طيران وطنية، تلبي احتياجات الأسواق المحلية والدولية. ولذلك هذه الشركات تعاني كثيرا، ولا سيما في ظل عدم وضوح الرؤية للحراك السياحي والنقل عموما.

أزمة قطاع الطيران عالميا ستتواصل بصور مختلفة، لكن هناك نطاق مهم يمكن أن يعوض تأخر شركات القطاع في التعافي، أو يسهم في دفعه بوتيرة أقوى. فالطلب القوي المتصاعد على الشحن، يعد حسب آراء المختصين في هذا المجال نقطة مضيئة في قطاع الطيران ككل. ويؤكد المسؤولون في الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا" أن إيرادات الشحن صنعت "الفرق ما بين الحياة والموت لبعض شركات الطيران"، في ظل توقف حركة المسافرين بسبب إغلاقات مكافحة كوفيد - 19. ويشدد هؤلاء أيضا، على أن شحن البضائع سيظل يضطلع على مدار الأعوام القليلة المقبلة، بدور أكبر عما كان قبل الأزمة. ولذلك فإن أغلب شركات الطيران حول العالم، باتت تركز بصورة أكبر على الشحن، ليس فقط كخدمة مصاحبة للنقل عموما، بل كميدان أساسي لتغطية ما أمكن من الخسائر الناجمة عن مسار نقل الركاب والسياحة.

لا شك أن الحكومات تعي هذه الأزمة في قطاع محوري. ولذلك فإنها حافظت على مؤسسات القطاع في عز الأزمة، وستواصل دعمها له حتى يصل تماما إلى مرحلة التعافي، بصرف النظر عن دقة السيناريوهات المطروحة لعودة النمو إلى هذا القطاع ومدته الزمنية، سواء تلك التي تتحدث عن عامين أو أربعة أعوام. مع ضرورة الإشارة إلى أن العالم سيشهد مزيدا من الطلب على خدمات الشحن في الأعوام القليلة المقبلة.

* نقلا عن جريدة الاقتصادية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.