.
.
.
.

ما القطاع الخاص المنشود إيجاده وتحفيزه؟

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

في البداية يشكل القطاع الخاص الوزن الأكبر والأهم، ضمن المنظومة الأشمل للجزء الإنتاجي من الاقتصاد الوطني، الذي يستهدف برفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة إلى 60% بحلول نهاية 2030، مستكملا مسيرة ارتفاع مساهمته التي وصلت نسبتها إلى 41.1% بنهاية العام الماضي، كان قد قفز إليها بتحقيقه متوسط نمو حقيقي بلغ 3.4% خلال العقد الزمني 2011 - 2020، ويقتضي الأمر للوصول إلى نسبة مساهمته المستهدفة (60% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة) ألا يقل متوسط نموه الحقيقي خلال العقد الزمني الراهن عن معدل 7.1%، بالتزامن مع تقديرات النمو المتوقعة للاقتصاد الوطني خلال الفترة نفسها وفقا لصندوق النقد الدولي عند متوسط 3.2%، ويمكن أن يتحسن قياسا على سرعة تعافي الاقتصاد العالمي، وخروجه بصورة أسرع من التداعيات الكبيرة التي خلفها تفشي الجائحة العالمية لفيروس كوفيد - 19.

وبالنظر إلى متوسط النمو الحقيقي اللازم تحققه للقطاع الخاص خلال العقد الراهن البالغ تقديره عند 7.1%، وما قد يحمله من تحديات في نظر البعض، فلا بد من التذكير أن القطاع الخاص قد تمكن من تحقيق أعلى من هذا المعدل خلال العقد الزمني الأسبق 2001 - 2010 بوصوله إلى 8.2%، ويكمن الاختلاف الرئيس والجوهري بين الفترتين في الاختلاف الذي طرأ بصورة كبيرة على مجمل السياسات الاقتصادية والمالية تحديدا، وأعني هنا الإنفاق الحكومي الذي كان سجل متوسط نمو قياسي بلغ 11.0% خلال 2001 - 2010 "بلغ بالنسبة للإنفاق الرأسمالي 29.6% للفترة نفسها)، ثم تراجع إلى 6.1% خلال 2011 - 2020 (بلغ بالنسبة للإنفاق الرأسمالي 2.1% للفترة نفسها)، كما بدأت مع انطلاق الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بتنفيذ البرامج التنفيذية لرؤية المملكة 2030، تعزيز الإيرادات الحكومية غير النفطية وصل متوسط معدل نموها خلال العقد الزمني 2011 - 2020، إلى 18.2% (تركز أغلبه في الفترة 2016 - 2020)، ويتوقع أن يتجاوز هذا المعدل بنسبة كبيرة خلال العقد الزمني الراهن - بمشيئة الله تعالى -، وهو ما يعني في مجمله انتقالا جذريا من السياسات الاقتصادية السابقة التي كان القطاع الخاص خلالها يعتمد بصورة كبيرة جدا على الإنفاق الحكومي (تحديدا الرأسمالي)، ودون مساهمة ملموسة من القطاع في تعزيز بنود الإيرادات غير النفطية، لتتحول خلال الفترة الراهنة وتوسعها مستقبلا متبادلة الأدوار ليزداد اعتماد الميزانية الحكومية عاما بعد عام على عوائد النمو المتحقق للقطاع الخاص من جانب، ومن جانب آخر التخفيف التدريجي لاعتماد القطاع الخاص على الإنفاق الحكومي (تحديدا الرأسمالي)، وتعويضه في جزء منه بالدخول في مزيد من الشراكات العملاقة مع صندوق الاستثمارات العامة، إضافة إلى تشجيع وتحفيز زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، وهما المتغيران المقدر وصول مجموع مساهمتهما كضخ للاستثمارات خلال العقد الزمني الراهن إلى نحو 9.0 تريليونات ريال.

يتأكد أمام ما سبق من تغيرات جذرية بدأت على هيكل القطاع الخاص، ولا تزال تستكمل الآن وفي المستقبل حتى نهاية العقد الزمني الراهن، أن الاقتصاد الوطني ينشد قطاعا خاصا مختلفا عما عهده طوال خمسة عقود مضت، لعل من أهم وأبرز سماته: (1) تخلصه من الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي. (2) تخلصه من الاعتماد المفرط على خدمات العمالة الوافدة، وتعويضها بزيادة الاعتماد على خدمات العمالة المواطنة، وهو ما بدأ تحققه فعليا بوصول متوسط نمو العمالة المواطنة في القطاع الخاص إلى 9.9%، مقابل انخفاضه إلى نحو 0.3% للعمالة الوافدة خلال العقد الزمني 2011 - 2020، ورغم تركز انخفاض العمالة الوافدة على الشرائح الأدنى دخلا ومهارة، إلا أن المأمول قياسا على الإصلاحات الجاري تنفيذها بصورة مستمرة على برامج التوطين خلال الفترة الراهنة ومستقبلا، يؤمل أن ينتج عنها تحقق مزيدا من تمكين العمالة المواطنة على مستوى الفرص الوظيفية الراهنة أو تلك التي سيولدها نمو وتوسع القطاع الخاص. (3) تخلص القطاع من كثير من التشوهات الراهنة، من تستر تجاري أصبح يواجه بأقوى سياسات المكافحة، إضافة إلى تدني تنوع القاعدة الإنتاجية للقطاع وتنافسيته، نتيجة ركونه إلى الاعتماد المفرط على كل من الإنفاق الحكومي والعمالة الوافدة، وهو ما بدأ يظهر عكسه نتيجة ازدياد الشراكات الاستثمارية الرائدة التي يتولى قيادة دفتها صندوق الاستثمارات العامة، ونتيجة لتقدم خطوات برنامج التخصيص.

الأمر الأهم الذي لا يزال بحاجة إلى مزيد من السياسات والإجراءات الأكثر حزما وجدية، لمنح القطاع الخاص (الجزء الأكبر من القطاع المنتج في الاقتصاد الوطني) مزيدا من التحفيز والتوسع والقدرة الكافية على تحقيق النمو اللازم، وكذلك القدرة على زيادة تسارع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ما يرتبط بالجزء غير المنتج من الاقتصاد الوطني، والمتمثل في أغلبه في زيادة تركز الثروات والأموال في الأصول غير المنتجة (الأراضي)، وارتفاع معدلات الاكتناز والمضاربة فيها بصورة انعكست آثارها سلبا على بقية نشاطات الاقتصاد الوطني، التي يقتضي من السياسات الاقتصادية والإجراءات المرتبطة بها، أن تستهدف خلال العقد الزمني الراهن تحقيق نتائج أفضل وأكبر مما تحقق حتى تاريخه، وأن يتم تسريع إجراءات تحصيل الرسوم على تلك الأجزاء غير المنتجة اقتصاديا، يتقدمها بكل تأكيد ما هو مرتبط بالرسوم على الأراضي البيضاء، التي عدا أنها سترفع من المتحصلات لمصلحة المالية العامة، فإنها ستؤدي إلى ما هو أهم من كل ذلك بعملها على خفض الجزء الأكبر من حجم التضخم الراهن في مستويات أسعار الأراضي والعقارات على حد سواء، وما سيؤول به ذلك من نتائج إيجابية تنعكس على خفض التضخم في كثير من نشاطات ومجالات الاقتصاد، سيكون القطاع الخاص المستفيد الأكبر، بانخفاض تكاليفه التشغيلية، وزيادة اجتذابه مزيدا من الأموال والمدخرات المحلية عوضا عن نشاطات الاكتناز والمضاربة على الأراضي، كما ستمتد الآثار الإيجابية لما سبق إلى الأفراد والأسر، بمزيد من تحسن مستوياتهم المعيشية، وزيادة القدرة على الإنفاق الاستهلاكي والادخار على حد سواء، ستنعكس بدورها إيجابيا على منشآت القطاع الخاص بكل تأكيد، وتسهم مجتمعة في زيادة قدرته على النمو المستدام والتوسع والتوظيف.

* نقلا عن جريدة الاقتصادية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.