.
.
.
.

سؤال الذكاء

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

قبل عشرة أعوام تقريبا، كتبت عن المنازل الذكية التي تصاعد الحديث عنها آنذاك، ولا يزال أحيانا يتصاعد من فترة لفترة دون أن نرى انتشارا لها على أرض الواقع، إلا في حالات نادرة، ربما لارتفاع التكلفة، وربما لأن الإنسان وصل إلى مستويات ذكاء أدرك معها أنه لا يمكن أن يكون كل شيء من حوله ذكيا.

المنازل الذكية، هي التي يوجد فيها شبكة يتحكم بها نظام هندسي مبرمج طبقا لرغبة صاحب البيت، بحيث يمكن التحكم بأنظمة البيت من الداخل والخارج، وهي - أي المنازل الذكية - مفهوم اختصاره، بناء منازل عصرية تتفهم الاحتياجات الخاصة لساكنيها، وتتناغم مع أسلوب حياتهم، ما يجعل المنزل الذكي صديقا لساكنيه من خلال "التواصل الدائم".

لاحظ معي، أن "التواصل" الذكي والاجتماعي حتى "الذبذباتي" إن وجد، هو أساس المعادلة، رغم أن كل ما هو "ذكي" هنا يقلل درجات الاتصال بالواقع والناس والأشياء، لتصبح علاقات الإنسان مبنية على سلسلة أوامر ذكية، وأحسب أن ذلك، يقلل من ذكائه الفطري.

المنزل الذكي يجعلك تتحكم بأنظمة البيت، سينام أطفالك ويستيقظون مبكرين، وسيخف استهلاك المياه، وهو ربما يغنيك عن المدرسة الأهلية أو المدرس الخصوصي، لأنه يعلم أطفالك، وسيقوم بإصلاح السباكة والكهرباء ذاتيا، بمعنى أنه بمجرد تلف خلاط المياه، ستجده تلقائيا أرسل إنذارا إلى السباك المجاور المرتبط إلكترونيا بمنزلك، ليأتيك مهرولا، وعند انقطاع الماء ستجد "الوايت" بعد عشر دقائق ولن يزعجك بالمنبهات، لأنه سيرسل رسالة إلى باب بيتك ليفتح له بمجرد وصوله.

أطرف ما رأيت عن هذا الأمر، مشهد أو مقطع فيديو لصاحب منزل ذكي، بل ذكي جدا يفعل كل شيء بأوامر صوتية من صاحبه، ذهب صاحبه إلى طبيب الأسنان وخلع ضرسه، وتورمت وجنتاه، وعاد إلى منزله آمرا الباب بأن يفتح، لكن الباب "الذكي" لم يتعرف على صوته المتأثر من الإجراء الطبي، فبقي في الخارج في طقس عاصف، بينما جارته صاحبة المنزل " الغبي" دلفت مسرعة إلى منزلها الذي فتحت بابه بالمفتاح، ربما هذا ليس طريفا في النهاية، إنه في منتهى العمق.

المستقبل يحمل كثيرا مما هو موسوم بـ"الذكاء"، والسؤال: إذا كنت بحاجة إلى كل هذا الذكاء من حولك، فأنت إما خارق الذكاء لتسخير كل ذلك، وإما إنك غبي يحتاج إلى كثير من الذكاء لمساعدته على أن يعيش، يعيش الحياة، وشخصيا لا أملك الإجابة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.