.
.
.
.

لا عودة للوراء .. تشكيل اقتصاد عالمي أفضل «1 من 2»

كريستالينا جورجييفا

نشر في: آخر تحديث:

مع تجدد دخول الجائحة في موجة تفش واسعة عبر عديد من الدول من الطبيعي أن نمني النفس بعودة سريعة لعالم ما قبل الجائحة. وليتنا كنا قادرين على أن نبدد سريعا غيوم عدم اليقين والإحباط واليأس. فقد أزهق الفيروس ملايين الأرواح، وتبدلت حياة مئات الملايين الآخرين إلى الأبد من جراء زيادة الفقر وفقدان الوظائف بأعداد هائلة وتعطل أنشطة التعليم. وها نحن الآن نواجه خطر ظهور جيل ضائع، خاصة في الدول النامية. لكن الاستثمار في سياسات من أجل الناس سيساعد على تشكيل اقتصاد أفضل لعالم ما بعد الأزمة.

لكننا لا نستطيع ولا ينبغي لنا أن نعود إلى اقتصاد الأمس، بما فيه من بطء النمو وانخفاض الإنتاجية وارتفاع عدم المساواة وتفاقم الأزمة المناخية، بل علينا أن نتطلع إلى مستقبل ننتهج فيه أسلوب أداء مختلفا. وهناك من العظم والإلحاح بمكان في هذا الصدد: محاربة أسوأ أزمة اقتصادية منذ حقبة الكساد الكبير، وكذلك البدء في البناء قدما نحو عالم أكثر خضرة وديناميكية وشمولا للجميع.

ويمكننا استلهام القدوة ممن أحدثوا فرقا أثناء الجائحة. ومن بين هؤلاء، العاملون في قطاع الرعاية الصحية، وسائقو خدمات التوصيل، وعمال النظافة، وكثير منهم يسدون احتياجاتهم الأساسية بشق الأنفس رغم عملهم الشاق والمخاطر التي يتحملونها من أجل الآخرين.

ولمساعدة هؤلاء العاملين وكل مواطنيهم، وفرت الحكومات شريان حياة ماليا للأسر والشركات بقيمة 12 تريليون دولار تقريبا. وحافظت إجراءات السياسة النقدية الاستثنائية على تدفق الائتمان، ما ساعد الملايين من الشركات على مواصلة العمل. ويمثل هذا ركيزة للتقدم غير أن المستقبل يحمل في طياته تحديات أكبر.

ومن الأهداف الأساسية في هذا السياق إيجاد اقتصاد أفضل للجميع. ودعوني ألقي الضوء على بعض الأولويات الأساسية التي تساعدنا على الوصول إلى ذلك: الاستثمار في النساء والشباب وبرامج التعليم والمهارات التي من شأنها إتاحة الفرص وتعزيز الإنتاجية. وهذا ما أسميه سياسات من أجل الناس.

وحول مشروع تمكين المرأة فقد كانت الأزمة بالغة الصعوبة على النساء خصوصا، فوظائفهن أكثر تركزا في القطاعات الأشد تضررا أو المعرضة للمخاطر، والتجربة تشير إلى أن احتمالات العودة إلى الدراسة بعد الجائحة أقل بالنسبة للفتيات في الاقتصادات النامية. كذلك فإن الأكثر ترجيحا أن تعمل النساء في الاقتصاد غير الرسمي، وبالتالي فقد لا يصل إليهن دعم الحكومة. وأثناء هذه الأزمة، تمضي النساء في عدة اقتصادات متقدمة 15 ساعة أسبوعيا أكثر مما يمضيه الرجال في أداء العمل المنزلي دون مقابل.

وبعبارة أخرى، فإن عقودا من التقدم نحو المساواة بين الجنسين باتت معرضة للخطر. ويتطلب هذا استجابة قوية تستند إلى سياسات مصممة جيدا وبيانات موثوقة. فعلى سبيل المثال، يؤدي إدراج زيادة خدمات رعاية الطفل في الموازنات العامة إلى إتاحة الفرصة لعدد أكبر من النساء للحصول على عمل. ومن شأن إعطاء دفعة للشمول المالي أن يساعد النساء على مواجهة الصدمات بصورة أفضل والاستفادة من فرص ريادة الأعمال.

ويدعم الصندوق دوله الأعضاء في تنفيذ سياسات فعالة للمالية العامة تستجيب لاحتياجات الجنسين، بما في ذلك إعداد الميزانية على أساس مراع للمنظور الجنساني. فلنفكر في القوانين الملزمة بالمساواة في الأجر، والتعاون مع المجتمع المدني، وتكليف وزارات المالية بأخذ زمام المبادرة في تناول هذه القضية الحيوية، مثلما فعلت كندا. وتوضح أبحاثنا أن التعجيل بالمساواة بين الجنسين يمكن أن يحدث تغييرا جذريا في المشهد العالمي. فبالنسبة لأقل الدول تطبيقا للمساواة، من شأن سد الفجوة بين الجنسين أن يرفع إجمالي الناتج المحلي بمتوسط 35 في المائة.

وبشأن الاستثمار في الشباب فإن عديدا من التحديات التي تواجه النساء، مثل بناء المهارات والحصول على عمل في القطاع الرسمي، يؤثر في الشباب بشكل أعم. فاحتمالات الاشتغال بوظائف تسمح بالعمل من بعد هي أقل إلى حد كبير بالنسبة للعاملين الشباب وغير الحاصلين على تعليم جامعي، ومن ثم فهم أكثر تعرضا لمخاطر البطالة. وفي الوقت نفسه، تسببت الأزمة في تعطيل المسار التعليمي لأكثر من مليار طالب، ما يمكن أن يؤثر بشدة في دخلهم ومستوياتهم المعيشية مدى الحياة... يتبع.

نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.