.
.
.
.
السعودية

الشورت بين الذوق والاقتصاد

د. عبدالله الفرج

نشر في: آخر تحديث:

لم أفهم حديث من يعد الشورت من الملابس الخادشة للحياء وطامة كبرى، تعرض من يرتديه في الأماكن العامة للعقوبة، وقد يعود سبب عدم الفهم هذا إلى أني من جيل آخر، فأنا نشأت وترعرعت في الخمسينات والستينات وبداية السبعينات من القرن المنصرم، وقتها كان الذوق مختلفاً، فأنا أذكر تجولي في شارع الأمير خالد في الخبر -وذلك قبل أن يصبح المغفور له ولياً للعهد ومن ثم ملكاً فيما بعد- وتسوقي في متاجره التي كانت تعرض ملابس مختلفة عما يباع في المتاجر والمدن الأخرى، وربما يعود السبب إلى موظفي أرامكو، من الأميركيين نساء ورجالاً، الذين كانوا يفضلون التسوق في هذا الشارع تحديداً وهم يرتدون ما يحلو لهم من لباس -وقتها لم تكن العباءة قد فرضت-.

وأنا أكتب بعض هذه التفاصيل، حتى أشرح لمن يجادل عن الذوق، أن الذوق مختلف ليس فقط من بلد إلى بلد وإنما من جيل إلى آخر، فمثلما يختلف الذوق في أفغانستان عن الذوق في باكستان المجاورة لها، يختلف ذوق الأجيال عن بعضهم، فأنا عندما كنت في المرحلة الابتدائية كنت ضمن حركة الكشافة، وهذه الحركة لها لباس معروف في مقدمته الشورت خادش الحياء، وقتها كنا نرتدي هذه الطامة، ليس في الأماكن العامة فقط، وإنما أيضاً في الأماكن الرسمية. فقد كنت عام 1965 ضمن الكشافة الذي حضروا الاستعراض الذي أقيم في الظهران، على شرف افتتاح صاحب الجلالة الملك فيصل لكلية البترول والمعادن، حيث كان من ضمن الحضور أمير المنطقة الشرقية سعود بن جلوي، وقتها كان شورت الكشافة القصير غير خادش للحياء ولا يعاقب من يرتديه.

فما الذي تغير منذ عام 1965، وجعل حياءنا رقيقاً ويصبح رهيفاً إلى هذه الدرجة، بحيث يمكن أن يخدشه الشورت، هذا سؤال تجيب عليه المناهج الدراسية التي أصبحت لا تركز على الجغرافيا والتاريخ والعلوم والكيمياء والأحياء، ويجيب عليه إعلامنا، الذي أصبح لا يواكب العصر، ولهذا تخلفت السياحة التي نحاول الآن إعادة الروح إليها بكل السبل، ويمكن لمن يخدش حياءهم الشورت أن يمسكوا الآلة الحاسبة، ويحسبوا الخسائر التي تكبدناها منذ منعه وحتى الآن.

بالفعل، فإن الذوق لا يولد من تلقاء نفسه عند أحد، وإنما يزرع ويربى عليه الإنسان في البيت والمدرسة، ولهذا يفترض أن نعطي المدرسة والمواد التي تدرس فيها أهمية قصوى للتعويض عما قد لا نحصل عليه في البيت، كما أن على إعلامنا أن يتطور هو الآخر، ليأخذ بذوقنا ويرقى به، حتى لا نصبح مثل ذلك الطفل الذي نشأ عند ذئبة، فأصبح بلا ذوق يعوي مثلها.

* نقلا عن جريدة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.