.
.
.
.
السعودية

الفكرة والمنتج

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

في حديث مع أحد طلاب الماجستير في العمارة تطرقنا لثنائية الفكرة والمنتج، والحقيقية كان الحديث منصبا على "المنتجات" أكثر من الأفكار، فسألت الطالب وقلت له: لماذا تشدنا الأشياء التي نراها بعيوننا أكثر من تلك التي يمكن أن نراها بعقولنا؟ خصوصا نحن المهتمين بالعمارة التي يمثل فيها المنتج بالنسبة للبعض كل شيء، أو كما يعرّفها البعض بأنها ما تراه عيوننا. ويبدو هنا أن الإنسان ينجذب للمشاهد البصرية، وأن هذا الانجذاب هو جزء من التكوين العقلي والنفسي للبشر، فهم يوظفون هذه المشاهد كمراجع للذكريات وبالتالي لا يفضلون العيش في "الفراغ" أو في "اللاشيء" وهذا في حد ذاته ضد فلسفة التأمل التي ينتقل فيها العقل إلى التفكير في غير المحسوس وغير مشاهد.

هذا تقريبا ما حاولت أن أبيّنه للطالب الذي كان اهتمامه منصبا على "التصميم" وقلت له إننا أمام عالمين يمثلان التصميم "الابتداع" و"الإبداع" وبينت له أن الابتداع هو ابتداع الفكرة دون مرجعية سابقة بينما الإبداع هو المهارة في صنع المنتج والتنويع في تشكيله. فقال لي إن هذا يذكرني بالخالق والخلاّق، فالخالق الذي يبتدع الفكرة الجديدة بينما الخلاّق هو الذي يحسن صناعتها ويتفنن في تشكيلاتها، وتبارك الله أحسن الخالقين. أشرت له أن في عقل الإنسان جزء "غيبي" أو أنه جزء مجهول يحتاج إلى بذلك الكثير من جهد التأمل لدفعه إلى الحضور في الواقع وهو الجزء المسؤول عن خلق الأفكار الجديدة. إذا ليس بغريب أن يربط العرب العبقرية بالجن والجنون، أو كما أعتقد الجانب الغيبي المجهول في عقل الإنسان.

ومع ذلك يجب أن أقول إننا نفتقر بشدة إلى صنع الأفكار وتحويلها إلى منتجات إبداعية، ربما نتيجة لهيمنة التفكير المادي الملموس وتقلي مساحة التأمل، وكنت قد تحدثت بإسهاب حول فكرة "التوليد" في تصميم المسكن، فهي الجانب غير المشاهد، وكيف أن التوليد بشكل عام مرتبط بعمق بلحظة الإلهام التي تبتدع الفكرة، وذكرت أن أحد طالبات الدكتوراة تعمل على دراسة أصول الزخارف في الأحساء وتوصلت إلى أن لحظات الالهام التي ولدت تلك الزخارف بدأت بما سمته "النواة" واكتشفت أن كل تصميم قابل على التوليد والتنوع لا بد أنه يملك نواة قوية، ثم اكتشفت بعد ذلك أن قوة النواة تختلف من زخرفة إلى أخرى وبالتالي فإما أن تولّد عوائل زخرفية قوية ومهيمنة أو أقل قوة أو ضعيفة؛ أي أن التصميم المولّد هو مجال لتنافس الأفكار واختبار قوتها، كل هذا يحدث بشكل عفوي بناء على الانجذاب البصري لدى البشر لكن يبقى الجانب الغيب من العقل هو الأساس الذي يوجه هذا الانجذاب.

وطالما أن الاشكال المولّدة ترتبط بأنوية، فهل نستطيع أن نقول إن المسكن السعودي يحمل نفس الجينات التي تجعله يولد من نواة وأن قوة هذه النواة تختلف من منطقة إلى أخرى ومن تجربة تاريخية إلى أخرى، كان الهدف من هذا السؤال هو الوصول إلى أفكار معاصرة تمكننا من تحديد مفهوم "التصميم المولّد" للمسكن السعودي المعاصر والمستقبلي.

والحقيقة أن هذا موضوع أطروحة دكتوراة لطالب آخر يسعى إلى تحديد "الشيفرة الثقافية" للمسكن السعودي وكيف تأثرت هذه الشيفرة بالتحولات الكبيرة في كافة مجالات الحياة وماذا تبقى منها، لكن يبقى الهدف هو الوصول إلى معادلة التصميم المولّد، الإشكالية في تصميم المسكن تبقى دائما أن المنتج أهم بكثير من الفكرة بالنسبة لكثير من الناس، ولعل هذا هو الوتر الذي يلعب عليه كثير من المطورين العقاريين، فالناس تريد سكن، أي سكن، بصرف النظر عن قابلية هذا السكن لتلبية حاجاتهم النفسية والاجتماعية طالما أنه يلبي الحاجة البيولوجية.

ويبدو أن ميل الإنسان الطبيعي لما يراه وما يحس به بشكل مباشر هو الذي يجعل من البحث عن الأفكار والأشكال القابلة للتوليد وخلق أفكار وأشكال متجددة أمراً تكتنفه الصعوبة، ومن الطبيعي أن يكوّن الإنسان موقفاً شبه عدائي تجاه الأفكار التجريدية التي لا يراها ولا يشعر بتأثيرها المباشر، وهذا ناتج عن الفقر الشديد في التعليم الفلسفي المرتبط بالفنون والتصميم وعلوم الاجتماع بشكل عام، هذا جعلني أحث أحد طلاب الدكتوراة لبحث مسألة "كيف يفكر المصمم والمعماري السعودي"، وأحلته إلى كتاب "براين لاوسن" "كيف يفكر المصممون"، وقد كتبه قبل أكثر من ثلاثة عقود، فإذا استطاعت هذه الأطروحة الإجابة على هذا السؤال فقد تساعدنا على تشخيص العديد من الظواهر المرتبطة بعلاقة الفكرة بالمنتج.

* نقلا عن جريدة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.