.
.
.
.

بعض الحلول الاقتصادية أسوأ من المشكلة

جمال بنون

نشر في: آخر تحديث:

ذا كنت لا تستطيع أن تصف مشكلتك، فبالتأكيد لن تستطيع حلها، وأحيانا تقوم بوضع خطط لتحسين الإجراءات بهدف تطوير الوضع الراهن، والوصول الى نتيجة أفضل، ولكن يحدث في كثير من الأحيان، أن النتيجة تكون سلبية، إذا كانت الإجراءات التي تمت غير مبنية على أسس سليمة، وهذا يحدث حينما لا تستعين بخبراء ومتخصصين. وفي مرات عديدة تطرح الحلول لبعض المشاكل التي تواجهها، وتكتشف أن الحل أسوأ من المشكلة، وهذا ما يطلق عليه ” أثر الكوبرا” كمصطلح للحلول التي تكون نتائجها أسوأ من المشكلة، وهذا المصطلح اشتهر بعدما نشر الاقتصادي الألماني، هورست سيبرت كتاب تأثير الكوبرا، وهو كيفية تجنب الحلول السيئة في السياسة الاقتصادية.

في ازمه كورونا، نفذت العديد من الدول سياسات مالية ونقدية مشتركة بلغت 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومع ذلك لم تتمكن من وضع تدابير التحفيز لتعزيز الاستهلاك والاستثمار وفق تقييم صادر عن الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة، والمشكلة الكبيرة التي حدثت هو أن جزءا كبيرا من الأموال تم توجيهها الى احتياطي رأس المال، وفي واقع الأمر ظن الكثيرون أن هذا الوباء سوف يستمر لمدة أسابيع وينتهي، ولم يكن احد يعلم أن هذا الوباء سوف يستمر كل هذه الأشهر وقد يطول، هذا يعني أن الخطط التي تم اتخاذها تحتاج الى مراجعة مستمرة، وخاصة فيما يتعلق بالتحفيز المستمر، فالتصور الذي كان في أذهان الناس، هو الذعر والخوف من تداعيات الجائحة من إفلاس وخسائر في رأس المال ومسار أكثر صعوبة نحو تحقيق الانتعاش الاقتصادي. ونتيجة هذا الخوف ترتفع المدخرات الاحترازية عادةً مع احتفاظ الأسر والشركات بالسيولة النقدية خشية حدوث أزمات أخرى. والذي سيحدث مستقبلا تعتبر معضلة أو فخ كما يقول تقرير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة، ستواجه المصارف فخ سيولة ومعضلة سيولة معا، زيادة هائلة في عرض الأموال واستخدامات محدودة فقط من قبل الأسر والشركات.

من الحلول المطروحة، في تقليل المخاطر وزيادة حوافز الإنفاق، من خلال ضمان التامين ضد المخاطر الحالية وتقديم تعويض للشركات، وبعض الحلول تأتي عكس ما كان متوقعا حينما تكون السيولة النقدية الفائضة الحالية مما يجعلها مصحوبة بتكاليف اجتماعية هائلة بعيدا عن المخاوف بشأن الديون والتضخم، وربما يساهم مستقبلا في المزيد من إعاقة الاستهلاك والاستثمار، بينما المجتمع الدولي في حاجة الى دفع عجلة الانتعاش الاقتصادي.

خلال جائحة كورونا أقدمت العديد من الشركات والمؤسسات الى تقديم حلول لتقليل التكاليف، من بينها الاستغناء عن الموظفين لتخفيض تكاليف الإنتاج وبهذا استطاعت أن تستمر وتبقى، إنما المشكلة التي حدثت، هو مغادرة الموظفين الأكفاء، وافتقدت الى جودة التشغيل، وحينما تعود الحياة الى طبيعتها، لن تستطيع هذه الشركات الإنتاج بشكل أفضل، لأنها تخلصت منهم لمعالجة مشكلتها.

ومن الحلول التي أقدمت عليها الكثير من الدول واعتبرتها أنها ستعالج مشكلة، بينما تفاقمت، وتركت أثرا، وهي حينما أقدمت على رفع الرسوم لبعض الخدمات الحكومية والمقابل المالي، وزيادة الضريبة ورفع أسعار الوقود، أنها سوف تحافظ على التدفق المالي لخزينة الدولة، في ظل الركود الاقتصادي، بينما انعكس القرار على انكماش، فالناس قلصت إنفاقها، وأصبحت تنفق بحساب، وتدخر لأسوأ الحالات المتوقعة، خاصة وان الجائحة لاتزال موجودة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية يرى بعض الساسة أن إعانات البطالة الإضافية التي تمنح للعاطلين عن العمل بقيمة 600 دولار أسبوعيا، تمنح البعض دافعا لعدم البحث عن عمل، ورغم أن الإعانة التي أقرها الكونجرس ضمن برنامج التحفيز لمواجهة أثار كورونا وهي تهدف الى دعم دخل الأمريكيين وتعزيز الطلب والاقتصاد، إلا أنها تسببت في نظر البعض من السياسيين في حصول كثير من العمال على دخل يتجاوز ما كانوا يحصلون عليه قبل الوباء وبالتالي قللت حوافز البحث عن عمل جديد ما يضر الإنتاجية والتعافي الاقتصادي.

في عام 2018 اعترفت شركة آبل بأنها كانت تخفض قدرة بعض الجوالات القديمة من أيفون لتعويض تدهور حالة البطاريات، ما قد يتسبب في إغلاق الهواتف في بعض الأحيان. وفيما يعبر عن اعتذار الشركة على هذا الفعل، قررت تخفيض رسوم استبدال البطارية من 79 دولاراً إلى 29 دولاراً فقط. بعد أشهر قليلة انخفضت الإيرادات بنحو 9 مليارات دولار بفعل ضعف الطلب على الأجهزة الجديدة من أيفون مع استغلال المستهلكين لهبوط تكلفة استبدال البطارية بدلاً من شراء جوال جديد.

نعود الى بعض القصص التي أوردها الألماني هورست سيبرت في كتابه “تأثير الكوبرا “هذا المثال واحد من أشهر أمثلة فشل تحسين الإجراءات، وعدم اعتماد الضوابط اللازمة لتطوير الإنتاج، الأمر الذي يجعل النتائج معاكسة للتوقعات. لتحسين إجراء تحفيز مدراء معامل الزجاج، قام الاتحاد السوفيتي بوضع لائحة تُقرر صرف الحوافز والمكافئات للمدراء حسب وزن الزجاج الذي ينتجه كل معمل. وبسبب هذا القرار، أصبح الزجاج الذي يتم إنتاجه في الاتحاد السوفيتي سميكًا جدًا، لدرجة تصعب الرؤية من خلاله. حيث وجه مدراء المعامل بزيادة سمك الزجاج المنتج ليزيد وزنه، ويحصلوا على مكافآت اعلى. لمواجهة هذا الخطأ الفادح، وجهت الإدارة السوفيتية بتوزيع الحوافز على المدراء حسب مساحة الزجاج المنتج، على امل عودة الأمور إلى نصابها. لكن سرعان ما أصبحت معامل الزجاج تنتج زجاجًا رقيقًا وهشًا للغاية، للحصول على أكبر مساحة ممكنة من نفس كمية المواد الأولية.

في الحالتين لم يكن في القرارات الصادرة أي ضوابط لمواصفات الزجاج الذي تُنتجه المعامل. وخلال فترة الاستعمار الإنجليزي للهند واجهت بريطانيا معضلة انتشار أفاعي الكوبرا في شوارع دلهي، ونظراً لخطورتها اقترح أحد المسؤولين إطلاق برنامج “النقد مقابل الأفاعي”، واعتبر هذا البرنامج من أذكى الخطط لمواجهة الظاهرة، إذ بدأت السلطات بدفع مكافأة فورية لكل هندي يحضر أفعى ميتة، إلا أن السكان بدأوا بتربية الأفاعي في بيوتهم ومن ثم قتلها بهدف الحصول على المكافأة، فكانت النتيجة أن ألغى البريطانيون البرنامج مما دفع الهنود لإطلاق أفاعيهم في الشوارع، فتفاقمت المشكلة. لهذا يقولون في الأزمات لا تستعجل في اتخاذ القرارات الصعبة، ابحث عن أقرب باب لمخارج الطوارئ، ومن ثم عد ثانية لوضعك الطبيعي.

* نقلاً عن صحيفة "مال".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.