.
.
.
.

تحديات شيخوخة السكان

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تلعب الخصائص السكانية التي من أبرزها التركيبة العمرية أدوارا حيوية في صنع السياسات والخطط والتفاعلات الاقتصادية. وتشير التطورات التاريخية خلال العقود القليلة الأخيرة لسكان العالم، إلى تغير مستمر وملحوظ في تركيبة السكان العمرية، حيث تتراجع نسب الشرائح السكانية الشابة إلى إجمالي السكان وتزايد متوسطات الأعمار ونسب الشيخوخة. وتؤكد بيانات البنك الدولي هذا التحول، حيث ارتفعت نسبة كبار السن (65 عاما في العمر وأكبر) من نحو 5 في المائة في 1960 إلى 9.3 في المائة من إجمالي سكان العالم العام الماضي. وتتفاوت الدول كثيرا في نسب الشيخوخة، حيث تميل الدول المتقدمة إلى تسجيل نسب مرتفعة، بينما تسجل الدول النامية نسبا منخفضة، لكنها سترتفع مع مرور الوقت. ومن المتوقع أن تتزايد نسبة كبار السن وتتضاعف خلال العقود المقبلة.

ضربت اليابان كثيرا من الأمثلة الحية للتنمية الاقتصادية والتقدم العلمي والتقني، لكنها تواجه تحديا بالغا خلال العقود المقبلة بسبب ارتفاع معدلات الشيخوخة فيها. تحتل اليابان قائمة دول العالم في نسب الشيخوخة، حيث قدرت في 2020 بنحو 28 في المائة من إجمالي السكان. وعموما ترتفع نسب كبار السن في الدول المتقدمة، إلى نحو 19 في المائة من إجمالي السكان، وترتفع بعدة نقاط في بعض هذه الدول وتتراجع بعدة نقاط في دول أخرى. في المقابل، تنخفض نسب الشيخوخة في الدول الأقل دخلا وتصل إلى 3 في المائة من إجمالي السكان.

من الملاحظ عالميا أن نسب كبار السن تتناسب طرديا مع معدلات دخول الأفراد، فكلما ارتفع الناتج المحلي للفرد ارتفعت نسب الشيخوخة، ما عدا دول الخليج العربية مرتفعة الدخل التي تتراجع فيها معدلات الشيخوخة إلى نسب منخفضة، حيث لا تتعدى في الإمارات وقطر 1 في المائة و2 في المائة على التوالي. وهذا راجع إلى الاعتماد الكبير على العمالة الشابة المستقدمة من الخارج التي تشكل معظم سكان الدولتين. ولو حسبت معدلات الشيخوخة بين مواطني دول المجلس لارتفعت بعض الشيء، لكنها تظل منخفضة مقارنة بالدول المتقدمة.

تنخفض معدلات الشيخوخة في المملكة مقارنة بالدول المتقدمة، حيث تبلغ 3 في المائة من إجمالي السكان، من جهة أخرى، ترتفع بعض الشيء بين المواطنين إلى 4.2 في المائة، حسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء في 2016. أما إذا أضيفت شريحة العمر 60 - 64 عاما، فترتفع نسبة كبار السن بين المواطنين إلى 6.5 في المائة. يعود تراجع نسب الشيخوخة حاليا بين المواطنين (في المملكة ودول الخليج) إلى حداثة التنمية الاقتصادية وثقافة المجتمع حول الأسرة، حيث ما زال المجتمع يفضل تكوين الأسر وتكاثر النسل بدرجة أكبر من مجتمعات الدول المتقدمة. ومن المتوقع تزايد نسب الشيخوخة في المملكة ودول الخليج أسوة بدول العالم، لكن لا تتوافر تطلعات رسمية وموثقة حولها.

ارتفعت نسب الشيخوخة، خصوصا في الدول الأعلى دخلا، لعدة عوامل لعل من أبرزها تحسن الرعاية الصحية والوقائية وتطورها وزيادة الإنفاق عليها، وارتفاع معدلات دخول الأفراد وازدياد رفاهيتهم وتعليمهم، وكذلك توافر شبكات الحماية الاجتماعية، وخصوصا مخصصات التقاعد والعناية بكبار السن. إضافة إلى ذلك، تلعب سياسات الحد من النمو السكاني، وتغير الثقافة المجتمعية حول حجم الأسرة وعدد الأطفال، وازدياد انخراط النساء في أسواق العمل أدورا إضافية في خفض نسب صغار السن ورفع نسب الشيخوخة في المجتمعات.

تتوقع التطلعات السكانية ارتفاع نسب الشيخوخة في المجتمعات المتقدمة إلى 25 و30 في المائة من إجمالي السكان في عامي 2030 و 2050 على التوالي. وستعاني بعض الدول بدرجة أكبر حيث سترتفع نسب الشيخوخة إلى 35 في المائة في اليابان وعدد من الدول الأوروبية في 2050. وستلحق الدول النامية بركب الدول المتقدمة في معدلات الشيخوخة مع مرور الزمن حيث ستصل نسب الشيخوخة في الصين وكوريا مثلا إلى مستويات الدول المتقدمة عند منتصف القرن الحالي. ونتيجة لذلك سترتفع الضغوط على الإنفاق العام ومخصصات وبرامج التقاعد والرعاية الصحية في الدول المتقدمة كافة بشكل أكبر وأسرع. وستضطر دول العالم إلى تخصيص مزيد من الموارد المالية العامة للإنفاق على كبار السن، ما سيرفع الديون والعجز المالي. ولا يقتصر الأمر على ذلك حيث ستنخفض نسب القوى العاملة إلى إجمالي السكان وترتفع نسب الإعالة، وقد يقود إلى رفع الضرائب وتراجع معدلات النمو الاقتصادي. من ناحية أخرى ستتأثر الأسواق بالتغيرات السكانية حيث سينمو الطلب الكلي على السلع والخدمات التي تخدم كبار السن مقارنة بسلع وخدمات الشرائح السكانية الشابة.

إن ارتفاع نسب الشيخوخة في المجتمعات العالمية وميلها للنمو مع مرور الوقت يولد تحديات قوية ينبغي التعامل معها في وقت مبكر وتبني الإصلاحات اللازمة قبل استفحالها. وستتفاوت دول العالم في إصلاح سياساتها، لكن بعضها قد يواجه معارضة قوية. وإضافة إلى الإصلاحات المرتقبة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والسياسات المالية، قد يتطلب التعامل مع التغيرات السكانية الهيكلية في عدد من المجتمعات مراجعة السياسات السكانية وتشجيع وتحديد معدلات نمو سكاني مستدام تساعد على تحقيق نمو اقتصادي مستدام والتغلب على التحديات السكانية المقبلة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.