.
.
.
.

التعايش السلمي مع «الكربون»

م. عبدالرحمن النمري

نشر في: آخر تحديث:

لا غنى عن الوقود الأحفوري وعلى رأسه النفط والغاز للتنمية الاقتصادية والصناعية في الدول النامية والمتقدمة، ولا يمكن أن تزدهر المجتمعات نحو حياة أكثر مدنية وتحضرا في منأى عن الطاقة، ولا يمكن كذلك تجاهل الفحم الذي ما زال يحرق بصمت لتلبية حاجة بعض الدول من الطاقة. على خلاف الفحم، النفط والغاز يعدان مصدران موثوقان وعمليان للطاقة، رغم أن استخدامهما في هذا المجال، وأعني هنا توليد الطاقة، ينتج عنه انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. قضية الاحتباس الحراري والتغير المناخي هي قضية جوهرية في عصرنا الحالي، بعيدا عن الاتفاق والاختلاف مع بعض معطياتها، أو الاختلاف معها جملة وتفصيلا، إلا أنها تبقى قضية جوهرية وتحديا كبيرا لمنتجي ومستهلكي الوقود الأحفوري على حد سواء، ومنتجي النفط خصوصا.

الملفت للنظر، أن الزخم الإعلامي المكثف، والتوجه لبعض الدول وبعض مراكز الأبحاث وبيوت الخبرة، يسلط الضوء على الآثار العالمية للتغير المناخي التي يتبنونها بغض النظر عن صحتها أو موضوعيتها، فتارة حول تهديد الأمن الغذائي بسبب تغير أنماط الطقس، وتارة حول ارتفاع منسوب مياه البحار التي تزيد خطر الفيضانات الكارثية، وغيرهما.

العجيب أن طرح بعضهم سلك منحى خطيرا نحو المطالبة بتقويض صناعة المنبع، واتهام الوقود الأحفوري وعلى رأسه النفط! كما ذكرت سابقا، أن هذا التوجه غير الموضوعي سيصطدم بالواقع، فكما ذكر وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، خلال مشاركته في قمة سنغافورة للطاقة، أنه على العالم أن يبحث كل الخيارات لتخفيف انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في حربه ضد تغير المناخ، لكن التخلص من النفط والغاز سيكون بعيد المنال، وغير واقعي.

كذلك ينبغي أن تكون هناك دراسة لكل الخيارات، لتخفيف الانبعاثات لمكافحة تغير المناخ. السعودية تتعاطى مع هذه القضية بحصافة، واستشرفت مستقبلها ومستقبل هذا القطاع المهم، بل الأهم في اعتقادي بموضوعية وحرفية، فبدلا من توجيه الاتهامات ووضع النفط في قفص الاتهام، وبدلا من التهويل والعويل، وضعت وعملت على الحلول، بل لن تقبل إلا أن تكون رائدة لهذه الحلول. وهنا أستشهد بتصريح الأمير عبدالعزيز بن سلمان، عندما لخص المشكلة والحل بقوله، "دعونا لا نركز على الوقود الذي نختاره، بل كيف يمكننا التخفيف والتكيف مع هذه الحقائق من دون إظهار أي تفضيلات".

في اعتقادي أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أقتنع بأن هذا التحدي متعلق بقطاع دون الآخر، أو دول دون أخرى، بل هو تحد عالمي يجب أن يتصدى له الجميع دون استثناء، وبلا انتقائية لمسبباته، وبلا تسييس لهذا الملف. أن يشار إلى النفط بإصبع الاتهام، ويغض الطرف عن الفحم، فذلك تناقض، وأن يسلط الضوء على الكربون دون غيره من الغازات المسببة للاحتباس الحراري فذلك تناقض أيضا.

في هذه القضية تجد من يعمل بجهد وكفاءة من أجلها، بوضع الحلول العملية للتعايش السلمي مع الكربون، وعلى رأسهم السعودية التي تعمل على وضع إطار تنظيمي يشجع الاقتصاد الدائري للكربون عموما، واحتجاز الكربون خصوصا، وهناك من يعمل لتسييس هذه القضية والاستفادة منها بصورة غير موضوعية ولا منطقية!

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.