.
.
.
.

انخفاض العمالة الوافدة وارتفاع الحوالات الخارجية

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

أظهر أحدث بيانات التأمينات الاجتماعية حتى منتصف العام الجاري، انخفاض أعداد العمالة الوافدة في منشآت القطاع الخاص خلال الفترة من نهاية 2016 حتى نهاية حزيران (يونيو) الماضي بنسبة 29 في المائة، أي: بصافي انخفاض وصل إلى نحو 2.5 مليون عامل وافد، وتزامن مع هذه المتغيرات على مستوى حجم الحوالات المالية للعمالة الوافدة إلى الخارج نمطان من السلوك، تمثل السلوك الأول في انخفاض حجم الحوالات المالية إلى الخارج بنسبة 20 في المائة خلال الفترة 2016 - 2019، ثم بدأ السلوك الثاني للحوالات بالتحول ارتفاعا خلال الفترة من مطلع 2020 حتى منتصف العام الجاري، مسجلة ارتفاعا بلغت نسبته 25 في المائة، مقارنة بتطورات تلك الحوالات خلال النصف الأول من كل عام.

لفهم تلك التطورات أعلاه، لا بد من الإشارة إلى عديد من التغيرات والإجراءات التي حدثت طوال تلك الفترة 2016 - 2021، لعل من أهمها إقرار المقابل المالي على العمالة الوافدة والمرافقين لها، الذي بدأ تنفيذ المرحلة الأولى منه مطلع النصف الثاني لعام 2017، وتدرج في استكمال بقية مراحله إلى أن تم مع مطلع 2020، وما زال العمل به مستمرا حتى تاريخه، مع عديد من الاستثناءات التي حظيت بها القطاعات الإنتاجية في نشاط الصناعة، خصوصا لفترة امتدت إلى خمسة أعوام، ضمن الخطط والبرامج الهادفة إلى تحفيز النشاط.

ورغم أن هذا الإجراء استهدف ضمن مستهدفاته رفع معدلات التوطين، وخفض الاعتماد على العمالة الوافدة، ومن ثم خفض حجم الحوالات المالية السنوية، إلا أن الوتيرة تغيرت خلال أقل من عامين تاليين، ويقصد هنا خصوصا جانب الحوالات المالية للخارج، إضافة إلى ما يتعلق بآلية ذلك المقابل المالي، وكونها لم تأخذ بعين الاعتبار المستويات المختلفة للأجور المدفوعة للعمالة الوافدة، التي يضعف تأثيرها كلما ارتفع مستوى الأجر المدفوع للعامل، بينما قد تتجاوز بمبلغها حتى حجم الأجر المدفوع للعامل في المستويات الأدنى أجورا.

لقد تم الحديث عن هذه الجوانب في وقت مبكر سابق، كان من أهمه ما تمت الإشارة إليه في مقال "رسوم العمالة الوافدة لا تكفي للتوطين" المنشور هنا في صحيفة «الاقتصادية» بتاريخ 5 تموز (يوليو) 2017، وتم طرح السؤال المحوري التالي: "هل يكفي هذا الإجراء وحيدا، للحد من سهولة استقدام العمالة الوافدة على حساب الصعوبة الكأداء أمام المواطنين والمواطنات لنيل الفرص الوظيفية ذاتها؟ التجارب السابقة تؤكد أنه غير كاف على الإطلاق، حيث تمكنت منشآت القطاع الخاص خلال الأعوام الماضية من تجاوز كثير من برامج وسياسات وإجراءات التوطين بكثير من الخيارات، وظلت في الوقت ذاته معدلات البطالة بين السعوديين والسعوديات مرتفعة"، كما تم التأكيد حينئذ، أي: قبل أكثر من أربعة أعوام، أن الأهم من كل ذلك أن تقر برامج خاصة لتوطين الوظائف القيادية والتنفيذية العليا في منشآت القطاع الخاص، كونها المستويات الوظيفية التي تستحوذ على صنع القرار في منشآت القطاع الخاص، وكونها أيضا المستويات الأعلى دخلا مقارنة بغيرها من المستويات الوظيفية الأدنى تأثيرا ودخلا، وثانيا أن يتم التوسع في برامج التوطين المخصصة حسب القطاعات كقطاع الاتصالات الذي سيوفر العمل به مرونة أكبر أمام وزارة العمل على مستوى سرعة التوطين".

وفي الوقت الذي نجحت وزارة الموارد البشرية في المضي قدما على طريق برامج التوطين المخصصة حسب القطاعات، إلا أن برنامج توطين الوظائف القيادية والتنفيذية العليا ما زال خاضعا للدراسة والمراجعة حتى تاريخه، وأثبتت التجربة السابقة بعمرها الزمني المتجاوز أربعة أعوام متتالية، أن الحاجة إلى هذا البرنامج ظلت تتصاعد فترة بعد فترة، وسيبقى الأمر كذلك حتى يرى النور تنفيذا على أرض الواقع، وهو ما تؤكده تفاصيل التغيرات في أعداد العمالة الوافدة طوال الفترة 2016 - 2021، التي أظهرت أن الانخفاض في تلك الأعداد قد تركز على العمالة الأدنى أجورا ومهارة بنسبة انخفاض بلغت 32.5 في المائة، وأن تلك الشريحة شكلت نحو 99.4 في المائة من صافي الانخفاض الذي حدث، بينما سجلت ارتفاعا لدى العمالة الوافدة الأعلى أجورا، وتتركز مواقعهم الوظيفية في المستويات العليا، وصلت نسبة ارتفاعها خلال الفترة نفسها إلى 4.5 في المائة، كما راوحت نسب الانخفاض على مستوى الوظائف المتوسطة من حيث الأجور بين 3.3 و4.2 في المائة فقط خلال الفترة نفسها.

أما بالنسبة للمقابل المالي، فقد سبق اقتراح استبداله بأن تتبنى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية إلزام جميع المنشآت وأصحاب الأعمال الخاضعين لنظامها، بدفع 9 في المائة من أجور العمالة الوافدة لديها لمصلحة حساب المعاشات، زائدا 1 في المائة لمصلحة حساب ساند، ودون تحديد سقف أعلى للأجور الخاضعة للاستقطاع الواجب الدفع شهريا، والتأكيد هنا على عدم الاستقطاع بأي نسبة كانت من الأجور التي تتسلمها العمالة الوافدة، فيظل الالتزام قائما فقط على المنشأة. حيث سيسهم هذا الإجراء في دفع المنشآت وأصحاب الأعمال بدرجة أكبر نحو زيادة معدلات التوطين لديها، خاصة بعد فقدانها التام أحد أسباب تفضيلها للعمالة الوافدة على العمالة المواطنة "عدم تحمل تكاليف دفع اشتراكات التقاعد وساند"، فيما تدفع فقط 2 في المائة فرع الأخطار المهنية.

يلاحظ في الإجراء المقترح أعلاه، عدا أنه سيعزز من التدفقات الداخلة على الصندوق التقاعدي الجديد، ويحسن من مركزه المالي، فإنه أيضا سيأخذ في الحسبان مستويات الأجور واختلافها، وهو ما لم تلتفت إليه الآلية الراهنة للمقابل المالي، وفي الوقت ذاته لن يمتد إلى المرافقين والتابعين للعمالة الوافدة التي سيكون لمرافقتهم لتلك العمالة، وفق الضوابط المعمول بها، آثار إيجابية على الطلب الاستهلاكي المحلي، كما سيسهم بدوره في خفض حاجة العمالة الوافدة إلى زيادة حجم حوالاتهم للخارج "ارتفع المتوسط السنوي لتحويل العامل الوافد خلال الفترة 2017 - 2021 بنسبة 40.7 في المائة". إنها الحلول المقترحة في مواجهة المتغيرات الراهنة في سوق العمل المحلية، التي يؤمل أن تحظى بالدراسة والبحث فيها من قبل الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، لما تحمله من كثير من الإيجابيات المأمولة على مستوى عديد من الجوانب، يتقدمها زيادة معدلات التوطين والتوظيف بالنسبة للموارد البشرية الوطنية، وخفض حجم الحوالات المالية إلى خارج الاقتصاد، وتحسين كفاءة برامج التوطين الراهنة، إضافة إلى تحسين المركز المالي للصندوق التقاعدي الجديد.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.