.
.
.
.
اقتصاد

أزمة ديون مصحوبة بركود تضخمي "1 من 2"

نورييل روبيني

نشر في: آخر تحديث:

ظللت لعدة أشهر أحذر من أن المزيج الحالي من السياسات النقدية والائتمانية والمالية المتساهلة على نحو مستمر من شأنها أن تحفز الطلب الكلي بشكل مفرط وتؤدي إلى احتدام النشاط التضخمي. وما يزيد المشكلة تعقيدا أن صدمات العرض السلبية في الأمد المتوسط ستقلل النمو المحتمل وتزيد تكاليف الإنتاج. ومن شأن ديناميكيات الطلب والعرض هذه أن تؤدي مجتمعة إلى ركود تضخمي على غرار ما حدث في سبعينيات القرن الـ 20 "ارتفاع التضخم وسط حالة من الركود" وربما حتى تفضي في نهاية المطاف إلى أزمة ديون حادة.

حتى وقت قريب، كنت أركز بشكل أكبر على مخاطر الأمد المتوسط. لكن الآن يستطيع المرء أن يبرهن على أن الركود التضخمي المعتدل بدأ بالفعل. فالتضخم آخذ في الارتفاع في الولايات المتحدة وعديد من الاقتصادات المتقدمة، في حين يتباطأ النمو بشكل حاد، رغم الحافز النقدي والائتماني والمالي الضخم.

الآن، هناك إجماع على أن تباطؤ النمو في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، وغيرها من الاقتصادات الكبرى، كان نتيجة لاختناقات العرض في أسواق العمل والسلع. تتلخص الرواية المتفائلة من جانب المحللين في "وول ستريت" وصناع السياسات في أن هذا الركود التضخمي المعتدل سيكون مؤقتا، ولن يدوم إلا بقدر دوام اختناقات العرض.

الواقع أن عوامل متعددة تكمن وراء الركود التضخمي المصغر هذا الصيف. بادئ ذي بدء، يعمل المتحور دلتا من فيروس كورونا بشكل مؤقت على تعزيز تكاليف الإنتاج، وتقليل نمو الناتج، وتقييد المعروض من العمالة. الواقع أن العمال، الذين لا يزال كثيرون منهم يتلقون إعانات البطالة المدعمة التي من المقرر أن تنتهي في أيلول (سبتمبر)، عازفون عن العودة إلى العمل، خاصة الآن مع تفشي المتحور دلتا. وقد يحتاج من لديهم أطفال إلى البقاء في المنزل، بسبب إغلاق المدارس والافتقار إلى رعاية الأطفال ميسورة التكلفة.

على جانب الإنتاج، يعمل المتحور دلتا على تعطيل إعادة فتح عديد من قطاعات الخدمات وعرقلة سلاسل التوريد، والموانئ، والأنظمة اللوجستية العالمية. كما يؤدي نقص مدخلات أساسية مثل أشباه المواصلات إلى إعاقة إنتاج السيارات، والسلع الإلكترونية، وغير ذلك من السلع الاستهلاكية المعمرة، فيعزز التضخم بالتالي.

مع ذلك، يصر المتفائلون على أن كل هذا مؤقت. فبمجرد تلاشي المتحور دلتا وانتهاء العمل ببرامج إعانات البطالة، سيعود العمال إلى سوق العمل، وتتبدد اختناقات الإنتاج، ويتسارع نمو الناتج، ويعود التضخم الأساسي الذي يقترب من 4 في المائة الآن في الولايات المتحدة، إلى الانخفاض باتجاه الهدف المحدد من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بنسبة 2 في المائة بحلول العام المقبل.

لكن ماذا لو لم تكن هذه النظرة المتفائلة صحيحة واستمرت ضغوط الركود التضخمي إلى ما بعد هذا العام؟ من الجدير بالملاحظة أن مقاييس عديدة للتضخم ليست فوق الهدف فحسب، بل تتسم بالعناد على نحو متزايد. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، من المرجح أن يظل التضخم الأساسي الذي يستبعد أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، أقرب إلى 4 في المائة بحلول نهاية العام. من المرجح أن تظل سياسات الاقتصاد الكلي أيضا متحررة من القيود، بالحكم من خلال خطط التحفيز التي أقرتها إدارة بايدن واحتمال أن تعاني اقتصادات منطقة اليورو الضعيفة عجزا ماليا ضخما حتى عام 2022. ويظل البنك المركزي الأوروبي وعديد من البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة ملتزمة بشكل كامل بمواصلة السياسات غير التقليدية لفترة أطول كثيرا... يتبع.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.