.
.
.
.
رواد أعمال

غياب الاقتصادي المتخصص عن رحلة روّاد الأعمال (2/1)

د. جمال عبدالرحمن العقاد

نشر في: آخر تحديث:

بمجرد أن تخرج فكرة منتج مبتكر من حالتها الهلامية إلى مادة صلبة، فهذا يعني أنها جاهزة للاختبار في السوق، وهنا يدخل صاحب الفكرة (ريادي الأعمال) متاهة عالم التجارة، لأن كل قوانين اللعبة التي كان يلعبها في فترة الأحلام والتجربة والاحتضان متغيّرة تماما.

يخضع أي عمل سواءا ربحي أو غير ربحي وبصرف النظر إذا ما كان في القطاع العام أو الخاص لعوامل البيئة الكلية الخاصة به، وهي العوامل الخارجية الخارجة عن سيطرة صاحب المشروع أو المنشاة، هذا لأن أي نشاط لا يمكن أن يعمل في فراغ، وبكل تأكيد سيؤثر السوق الإجمالي عليه دائمًا بطريقة ما.

هذا يستدعي من صاحب المشروع وفريقه على التخفيف من تعرض المشروع لقسوة هذه العوامل الخارجية، وهذا لا يكون إلا إذا تحلت المنشأة بالقدرة على استيعاب موقعها من الإعراب، وتحديد المخاطر المحتملة، مما يساعدها على التكيّف والمنافسة والاستدامة بشكل أفضل في ظل التغيرات غير المؤكدة والتي هي ما تميز الحراك الاقتصادي في العموم.

توجد العديد من الأدوات المجربة و المختبرة لإجراء التحليل للعوامل الخارجية، ونجد منها ما هو متواجدًا في البرامج التدريبية لروّاد الأعمال، مثل تحليل “سوات” الشهير SWOT، أو قنوات بورتر الخمسة، أو تحليل مؤشر التنافسية، إلا أن أغلب البرامج التدريبية المتوفرة حاليا تتناول مثل هذه الأدوات ضمن تركيزها على كيفية وضع خطة العمل – التي هي آخر ما يفترض التركيز عليه لأن أغلب الخطط مسبقة التحضير لا تعمل – لأن التعاطي مع هذه الأدوات في الأصل ليس بالشكل العميق المطلوب، وينعكس هذا على هذه البرامج التدريبية لتكون غير مجدية في مجملها، خاصة أنها تحتاج لمتخصصين وليس أشخاص وجدوا أنفسهم مدّربين ومرشدين بالمصادفة.

لكن ربما أهم هذه الأدوات هو إطار تحليل العوامل الخارجية المعروف باسم “بيستل” PESTLE، والذي يعتبر مهملاً تمامًا في البرامج التدريبية بسبب حاجته إلى اقتصاديين متخصصين، وهم إما قِلة أو لا يوجد تقدير فعلي لقيمة هؤلاء المتخصصين، في عالم ريادة أعمال يهتم بالمنظر والكم أكثر من القيمة والكيف.

تحليل “بيستل” PESTLE عبارة عن أداة لتقصي حقائق القوى الخارجية الكلية التي غالبًا تؤثر على المشروع ومن ثم تحليلها، مما يساعد صاحب المشروع على معرفة ما هي العوامل الخارجية التي يمكن أن تؤثر على قراراته التي سيتخذها، حتى يستطيع أن يدرك إذا ما كان مشروعه قابل للتنفيذ وعملي ومربح، وكيف يستفيد من الفرص المتوقعة أو لإيجاد حلول ابتكارية لمواجهة التهديدات التي تحوم حوله ومشروعه في الأفق.

لذلك، على صاحب المشروع وقبل وضع خطة عمل مسبقة غالبا لن تعمل، أو سؤاله التقليدي عن التمويل وهو رابع التحديات أمامه وليس أولها، أن يتمكن أولا من أدواته التحليلية وخاصة الاقتصادية العميقة مثل تحليل “بيستل” PESTLE الذي سيمنحه فرصة للإجابة على العديد من الأسئلة مثل مدى جدوى مشروعه من عدمه، وفي أي سوق ينشئه، وهنا تكمن أهمية دور الاقتصادي المحترف – سواءا أكاديميا أو مهنيا – لكي يساعد روّاد الأعمال في التمكن من مثل هذه الأداة وغيرها من أدوات اقتصادية وكيف تجمع المعلومة وتستقرأ وتحلل، وهو للأسف الدور المهمل تماما في بيئة التدريب والإرشاد المحلي.

في مقالة الأسبوع القادم، سنتعرف بإيجاز عن ما هي أداة تحليل “بيستل” PESTLE ولماذا تعتبر من أهم الأدوات لروّاد الأعمال إن لم تكن الأهم.

*نقلا عن صحيفة "مال" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.