.
.
.
.

هل نستفيد من التجربة الصينية؟

د. عبدالرحمن الطريري

نشر في: آخر تحديث:

استوقفتني ثلاث معلومات بشأن الصين القوة الصاعدة، المعلومات تم تداولها بكثرة عبر وسائل التواصل، وذلك لأهميتها كمنجزات مهمة يفخر بها الصينيون، وتحقق لهم مكاسب مادية، ومعنوية، فمثل هذه المعلومات ذات قيمة لإيجاد صورة ذهنية إيجابية تجاه الصين، فانتشار هذه المعلومات حول الصين جزء من القوة الناعمة التي لا بد منها، إذا ما تمت إضافتها للمنجزات المادية التي تملأ الأسواق، ويتعامل معها الناس في سائر القارات في حياتهم اليومية.

المواضيع التي تم تناولها، أولها الطريق الرابط بين الصين، وباكستان بطول 88 كيلومترا، واستغرق إنجازه ثلاثة أعوام، مع صعوبة الأماكن التي يمر بها من جبال، وبحيرة، وأنهار، والارتفاع الشاهق له، وكلف عشرات المليارات من الدولارات ليشكل منفذا للصين باتجاه بحر العرب، والخليج العربي لتحقق الصين مكسبا استراتيجيا على أقل تقدير في جانبه الاقتصادي، واللوجستي مدنيا، وعسكريا. وقفة يسيرة عند هذا الإنجاز العملاق تطرح تساؤلات بشأن سرعة الإنجاز، وجودته، رغم التحديات البيئية التي يمر بها الطريق، إذا ما قورن بمشاريع تنفذ في أماكن أخرى من العالم تستغرق وقتا أطول بكثير يصل إلى 27 عاما، رغم أنه لا مقارنة في ضخامة المشروع، ولا الصعوبات البيئية، وتكلفة أعلى، وفي بعض الحالات يتوقف المشروع ويلغى.

المشروع الثاني الذي تم تداوله بإعجاب من الناس بناء برج من عشرة طوابق خلال 28 ساعة، و45 دقيقة، هذا الإنجاز يفرض نفسه للإعجاب بمن أنجزه، دولة وشعبا تمكن من الانغلاق على نفسه فترة من الزمن ليخرج للعالم بمنجزات باهرة، وجاذبة للآخرين للاستفادة من خبرات الشركات الصينية لإنجاز المشاريع التي عجزت دول، واستعانت بخبرات، وتقنيات الصين، كما في دول إفريقية، وآسيوية دخلت الصين ليس لأسواقها في البضائع فقط، بل في تنفيذ مشاريع الطرق، والمطارات، والبنى التحتية الأخرى.

المنجز الثالث الذي استوقفني زراعة الصحراء القاحلة، وعلى مساحات شاسعة، وتحويلها إلى غابات، وبتقنية ري موفرة للماء، فهذا الإنجاز يعد مكسبا بيئيا تظهر نتائجه على المناخ، وفوائد اقتصادية في الاستفادة من الأشجار وتحويلها لمنتجات تدعم الاقتصاد، وتوفر مادة طبيعية تدخل في صناعة الأثاث، والكماليات، والزينة، وغيرها من الصناعات.

منذ الثمانينيات من القرن الماضي حين بدأت كبرى الشركات الأوروبية، والأمريكية الانتقال بمصانعها إلى الصين يدور جدل في الأوساط الإعلامية، والسياسية، والاقتصادية حول دوافع الانتقال، والآثار المترتبة عليه، خاصة فيما يتعلق بالبطالة، واستفادة الصين من الخبرة، والتقنيات الغربية، ومن أشهر التبريرات رخص العمالة الصينية لكثرة السكان، لكن هذا الطرح ربما لا يصمد، ولا يقنع كثيرين، وأنا واحد منهم، وربما أصحاب هذا الطرح يستهدفون التقليل من شأن الصين، وإمكاناتها التقنية، والعلمية، والإدارية، أو يجهلون الثقافة العامة، والبيئة المحيطة المحفزة.

أعتقد أن توافر المهندسين، والفنيين، واكتسابهم المهارات الدقيقة، كما أن توافر التقنية، والأجهزة الدقيقة، والمعدات الثقيلة أسهمت في جودة المنتج، ووفرته، ليغزو أسواق العالم، ولعل إنتاج جوال هواوي، والمميزات المتوافرة فيه، وما صاحب ظهوره في الأسواق من حرب شديدة وصلت إلى حد اعتقال مديرة الشركة، وإصدار قرارات تمنع دخوله الأسواق الأمريكية، والكندية يثبت المخاوف والفزع الذي تشعر به أمريكا من سحب البساط من تحتها كقوة عالمية مهيمنة عسكريا، وسياسيا، واقتصاديا.

القدرات العقلية، واكتساب المهارات عالية الدقة فكرا، وحسا لا يمكن إرجاعها إلى لا شيء، أو إلى مجهول، بل إن السبب الرئيس في اعتقادي هو النظام التعليمي المتميز الذي يجمع بين النظرية، والتطبيق، النظام التعليمي الذي إحدى سماته القوة، والمتانة، والمنافسة الشريفة، وهذا ما يثبته التاريخ الذي سجل قوة النظام التعليمي منذ عصور قديمة. الحكمة التي طالما كررناها: "اطلبوا العلم ولو في الصين" ما أجمل تنفيذها، خاصة مع تقارب المسافات بجميع أنواعها الثقافية، والمادية، وذلك بفضل المنتجات المعرفية.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.