.
.
.
.

الرياض.. التجربة الحضرية

مشاري عبد الله النعيم

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن متابعة تطور الأفكار الحضرية والمعمارية يتطلب مشاهدة متأنية للتحولات التي تعيشها البيئات العمرانية، وغالباً ما يتطلب الأمر أكثر من مجرد المشاهدة إلى تجربة المدينة ومعايشة حياتها الحضرية، وعندما تكون هذه المعايشة لمدينة كبيرة سريعة التحول يصبح الأمر متشابكاً ويفرض على المتابع البحث عن النقلات التي شكلت شخصية المدينة وغيرت من هويتها، إن المكان وصورته البصرية في مدينة الرياض بحاجة إلى قراءة خاصة على المستوى الإنساني، فالمدينة تحتاج أن تهدأ بصرياً، وأن تتشكل فيها روابط النسيج العمراني، والذي يجب أن ينعكس بصرياً انعكاساً مباشراً على صورة المدينة.

بداية طفرة الحدود المكانية في الرياض كانت مع انتقال الملك عبدالعزيز إلى قصر المربع عام 1937م، ثم تمددت في الخمسينات لتغير من مفهوم المدينة ومجتمعها في أذهان سكانها.

تبعها توسع مماثل في حدود الخارطة الذهنية لدى السكان وتبعها استيراد لكثير من الوظائف العمرانية والسلوكيات الاجتماعية، كما ساهمت طفرة الحدود المكانية في تفكيك العلاقة بين سكان الرياض والشارع، فالسكة القديمة التي كانت تعتبر امتداداً للبيوت تحولت إلى حد فاصل في الشوارع الجديدة أدت إلى فصل الداخل والخاص (البيوت) عن الخارج الذي أصبح مفتوحاً على الأغراب، هذا التحول لم يكن عمرانياً فقط بل كان نفسياً واجتماعياً، ويظهر أن تصاعد ارتباك الصورة الذهنية لدى السكان وتشتت خارطة المدينة كان يتطلب البحث عن حلول تستعيد "وعي المدينة" في أذهان الناس، يمكن أن نقول إن الرياض مرت بثمانية عقود منذ أن تجاوزت حدودها وذاكرتها التاريخية، وكل مرة كانت العلاقة بين المكان وحدوده (كتلة المدينة العمرانية) والفضاء اللامتناهي (الصحراء) في حالة تمدد دائم، وهذا التمدد غالباً ما كان يفرض توسعاً كبيراً في الصورة الذهنية لعمران الرياض.

كانت مدينة الرياض بحاجة إلى التفاصيل العمرانية والمناسبات الاجتماعية التي تجعل من ذاكرة المكان ذات قيمة شعبية تنمو وتتطور وتتراكم مع تحولات المكان وسكانه، وتجعل المدينة فضاءً روائياً له حكايات متعددة، حيث تبقى الأماكن وتتعدد الأحداث، فتتراكم المعاني المرتبطة بالمكان، على أن هذه الرواية العمرانية لم تتمكن حتى الآن أن تسيطر على تمدد هوية المدينة، وأذكر هنا أنني في عامي 2009 و2010م عملت على كتابة 3 كتب عن مدينة الرياض (العمارة والفضاء الحضري والمسكن)، على أنني عندما حاولت في الأيام الفائتة أن أقارن الرياض اليوم بالرياض التي كتبت عنها قبل أكثر من 10 سنوات وجدت أن ذاكرة المدينة التي رصدتها في تل الكتب تحولت بشدة، وأن المجتمع الذي كنت أتحدث عنه لم يعد هو المجتمع نفسه، التجربة الحضرية في الرياض تمددت بشدة إلى درجة أنه يصعب التوقف عن نقاط حضرية سابقة لم يصبها التغيير، فإن لم تتغير بصرياً وفراغياً فقد تغيرت علاقاتها مع المجتمع.

وجدت من خلال هذه المقارنات أن الكتلة العمرانية الشاسعة التي تحتلها مدينة الرياض تحتاج إلى معالجات بيئية وإنسانية تفك من الاختناقات النفسية، وفيها تفتح المدينة بكل كثافاتها العمرانية على مستخدميها، وتُوجد مجالات للمشاهدة والرؤية والتنفس والتفاعل الاجتماعي.

قبل كتابة هذا المقال بسويعات كنت في جولة مع الأمير سلطان بن سلمان في وسط الرياض. الأمير يختزن ذاكرة المدينة ويعيشها في تفاصيل حياته اليومية، عندما اقتربنا من منطقة المصانع في جنوب الرياض انفتح وادي حنيفة وظهرت المسطحات المائية التي يتم فيها تصفية الشوائب طبيعياً، قال الأمير: أليس هذا المكان عظيماً وملهماً؟ في الحقيقة إن المكان مدهش، والتنوع في الرياض أكثر دهشة، لكن ساكن الرياض لا يعيش هذه التجربة المدهشة بشكل سلس، في طريق العودة سلكنا الوادي وتوقفنا عند بعض المطلات التي يمكن أن تصنع هوية الرياض في المستقبل، حديث الأمير عن هذا الطريق مفعم بالحماس، فهو يرى أنه الفرصة الأهم لمن يريد السكون والهدوء في الرياض ويبتعد عن الصخب العمراني.

الأمير سلطان يردد دائماً إننا نشعر بالمدينة عندما نعيشها لا مجرد أن نسكنها، وأذكر هنا عبارة ذكرتها منذ سنوات هي أن "مفهوم أنسنة المدينة على أنه عيش المدينة لا مجرد سكنها".

والحقيقة أن التجربة العمرانية هي بداية أنسنة المدينة، فالمكان الذي لا يسمح لي أن أتعايش معه فهو غير إنساني، والمكان الذي لا يجعلني أتحاور معه يصبح مكاناً غريباً وموحشاً، ما أثارني في هذه الجولة هو هذا البحث الدؤوب للأمير عن مجالات الحياة في المدينة، عن الفرص التي تجعله يعيش المدينة ويبني معها مجالات الذاكرة التي تجعل للحياة معنى، هذا ما أسميه "المعايشة الحضرية" التي تحتاج إلى خلق التجربة.

* نقلا عن جريدة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.