.
.
.
.

مبادئ استراتيجية في الاقتصاد الرقمي

د. محمد راشد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

أثناء حديث له في أحد مؤتمرات تيد توك TED Talk، قام جو جيبيا، الشريك المؤسس لموقع Airbnb الشهير، بسرد بدايات فكرة مشروعه والتحديات التي واجهته هو وشريكه وكيفية التغلب عليها. اللافت في الأمر، أن فكرة المشروع لم تكن لترى النور لولا انعقاد مؤتمر ومعرض مصاحب عن التصميم في مدينة فرانسيسكو عام 2007، وتزامن ذلك مع عدم وجود غرف فندقية شاغرة في المدينة لرواد المؤتمر. وبسبب تعرضهم لضائقة مالية، خطرت على جو جيبيا فكرة تأجير مسكنهم مع توفير خدمة الإفطار والإنترنت مقابل بضعة دولارات. وأرسل لشريكه براين تشيسكي يطرح عليه الفكرة بتوفير غرفة للنزلاء مقابل 20 دولارا للشخص الواحد عن طريق موقع للحجز على الإنترنت، وقد أبدى تشيسكي موافقته. وكانت التجربة الأولى باستضافة ثلاثة نزلاء على أسرة هوائية Airbed، وبالفعل كانت تجربة ناجحة للطرفين.
كانت هذه الاستضافة هي الانطلاقة الأولى لمؤسسي موقع Airbnb حيث بدأوا التوسع في المشروع والبحث عن مستثمرين لتمويل هذه المنصة الرقمية. وكان من أبرز التحديات التي واجهتهم في مبدأ تأجير غرف المنازل الشخصية هو مسألة الثقة بين المستأجر والمؤجر، لصعوبة الوثوق في الغرباء ومشاركتهم أكثر الأشياء خصوصية في حياتنا، المنزل أو غرفة النوم. وأصبح التحدي له بعد اجتماعي أكثر من كونه تقنيا، لكن استطاعوا بمهارة تطويع التقنية للتغلب على هذا الحاجز، بتصميم نظام يقيم كلا الطرفين، الضيف وصاحب النزل، والإفصاح عن التقييم بعد استقباله من كليهما. ووجدوا أن الثقة تصل إلى مستويات عالية في حال تجاوز عدد التقييمات الإيجابية لأكثر من ثلاثة.
الاستراتيجية التي قام عليها موقع تأجير النزل الشهير هو استغلال خدمة ذات طلب عال في السوق، وتحويل التجربة برمتها إلى تجربة رقمية افتراضية virtualization، بدءا من البحث واستكشاف الخيارات المتاحة، ومرورا بالحجز والدفع، وآخرها عملية التقييم. وقد استطاعت Airbnb إيجاد سوق خاصة بها وتمييز خدماتها عن خدمات الحجز الفندقية (وإن كان كلاهما رقميا في الآونة الأخيرة) بتقديم تجربة عميل استثنائية، إضافة إلى أسعار منخفضة مقارنة بالغرف الفندقية.
المبدأ الثاني في استراتيجيات الاقتصاد الرقمي هو استهداف أسواق مختصة ومتفرقة ذات طلب منخفض وتجميعها في منصة رقمية واحدة. ولتقريب الصورة، فبعض الكتب المختصة أو التي تستهدف شريحة صغيرة من القراء ليس من المجدي مثلا توفيرها في المكتبات لحجزها مساحة من الأرفف لفترة طويلة دون أن تباع. وخير دليل على نجاح تلك الاستراتيجية ما يوفره موقعا أمازون أو علي بابا مثلا من منتجات مختصة ولأعداد محدودة من المستهلكين. لكن باستهداف قطاع عريض من المنتجات ذات الاستهلاك المنخفض وتسويقها للمستهلك العالمي، تتراكم تلك الكميات المباعة لتكون ذات جدوى اقتصادية لم لتكن لتتحقق بطرق البيع التقليدية.
​من المبادئ الاستراتيجية الحديثة أيضا في الاقتصاد الرقمي هو اقتصاد البيانات الضخمة big data التي تتصف بتوافر كميات ضخمة من البيانات وتباين في نوعيتها ومصادرها واستمرارية تدفقها. ولا أدل على هذا التوجه الحديث من تسابق عمالقة شركات التقنية في الاستثمار أو الاستحواذ على الشركات التي توفر بيانات ضخمة عن المستهلكين أو المستخدمين لخدمة معينة، كاستحواذ "فيسبوك" على تطبيق واتساب مع كونه لا يدر أي تدفقات نقدية على الشركة في بداية الاستحواذ. لكن هل من الممكن أن نرى استراتيجيات أخرى تقود الاقتصاد الرقمي إلى مضامير أخرى؟ باختصار، نعم ذلك ممكن.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.