.
.
.
.

نمو القطاع الخاص والتوظيف مقابل تضخم الأراضي

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

يأتي الاهتمام الدائم والمستمر من لدن واضعي السياسات الاقتصادية بنمو الاقتصاد، والقطاع الخاص خصوصا، وضرورة المحافظة على استدامة ذلك النمو، وحمايته من أي مخاطر أو عوائق، كونه الهدف الرئيس لأي سياسات كلية تسعى إلى تحسن الاقتصاد وزيادة جاذبيته للاستثمارات الجديدة ومن خارج الحدود، وبما يرفع من قدرته التنافسية، إضافة إلى تعزيز تنويع قاعدته الإنتاجية، وزيادة قدرته على إيجاد الفرص الوظيفية أمام الموارد البشرية المواطنة، وبما يسهم في تحسن مستويات المعيشة بين أفراد المجتمع. وكما يتأكد للقارئ الكريم هنا سنجد أن واضعي السياسات الاقتصادية الكلية أمام منظومة متكاملة من المتغيرات، تتطلب انطلاقهم تجاه تلك المستهدفات من خلال رؤية شمولية واسعة تجاه تلك المتغيرات، والعمل بدقة لا متناهية وبصورة مستمرة تتابع أولا بأول المستجدات التي قد تطرأ، والعمل أيضا بديناميكية على تعزيز وترسيخ مصادر القوة المؤدية إلى مزيد من النمو والتنوع والتنافسية، وفي الوقت ذاته على الحد من أي مصادر للضعف وعدم الاستقرار، ومعالجة أي آثار عكسية لها مهما اقتضى الأمر.

ليس المجال هنا للحديث على أهميته عن سياسات تحقيق وزيادة النمو للقطاع الخاص "الجزء المنتج من الاقتصاد" والمحافظة عليه، وهي تلك السياسات التي تعيش خلال الفترة الراهنة انتقالا من وتيرتها التقليدية السابقة المعتمدة بالدرجة الأولى على الإنفاق الحكومي، إلى سياسات تتجاوز هذا النمط من الإدارة نحو مزيد من استقلالية القطاع الخاص، وضرورة اعتماده بصورة أكبر على مقدراته وتنافسيته، بالتزامن مع تراجع اعتماده على الدعم الحكومي، والتحول في النهاية إلى داعم للإنفاق الحكومي على العكس تماما مما كان معتادا عليه طوال أكثر من خمسة عقود زمنية مضت، وهي المرحلة الأصعب التي يواجهها بصورة مؤقتة القطاع الخاص خلال الفترة الراهنة، ويؤمل أن يتجاوزها قبل حلول 2030، التي يستهدف بنهاية ذلك العام أن تكون مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي قد وصلت إلى 60% منه، مقارنة بمساهمته الراهنة التي تقف عند 40%.

بينما يتركز الحديث في هذا المقال على ما تواجهه السياسات الاقتصادية الجديدة من تحديات، تلك السياسات التي تستهدف نمو واستقرار القطاع الخاص، والوصول به إلى مستهدفاته في 2030، ومن أكبر تلك التحديات على تعددها ما هو متمثل في استمرار التضخم الراهن لأسعار الأراضي، كونها أولا: أحد أهم مدخلات الإنتاج والتشغيل بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص، التي كلما ارتفعت أسعارها زادت التكلفة التشغيلية على كاهل المنشآت، وتزداد التحديات بصورة أكبر عليها إذا ما دخلت ارتفاعات أسعار الأراضي منطقة التضخم الزاحف الذي لا يوجد ما يوقفه عند حد معين، وكل هذا بالتأكيد بحال حدوثه يعني تأخر القطاع الخاص عن تنامي نشاطاته كما كان مستهدفا، وتأخره أيضا عن زيادة قدرته الإنتاجية والتنافسية، وتأخره عن زيادة قدرته على توظيف الموارد البشرية المواطنة.

السبب الثاني: آثار استمرار تضخم أسعار الأراضي على البيئة الداخلية للقطاع الخاص، كافية تماما للاقتناع بالأهمية القصوى بسرعة معالجتها ومواجهتها، والآثار العكسية لهذا التحدي تمتد إلى خارج أسوار القطاع الخاص، ببروزها كمنافس يتمتع بجاذبية أكبر أمام رؤوس الأموال والمدخرات، ففي الوقت الذي قد يتحقق للاستثمار في المجالات المتاحة أمام القطاع الخاص معدلات ربحية قد لا تتجاوز 20% سنويا، وقد تتعرض إلى خسائر - لا قدر الله -، وتتحمل في الوقت ذاته كثيرا من الأعباء والالتزامات والتكاليف للوصول إلى ذلك المعدل من الأرباح، عدا ما يقع على عاتقها من مهام ومسؤوليات توطين الوظائف لديها، وأن تزداد مساهمتها النوعية ضمن جهود خفض معدلات البطالة، أؤكد أن تلك المنشآت وفقا لما تقدم ذكره، ستجد أن جاذبيتها الاستثمارية تتضاءل أمام جاذبية العوائد الأعلى من وضع الأموال والمدخرات في الأراضي، التي تراوح خلال الفترة الراهنة بين أعلى من 50% وأعلى من 100% سنويا، وقد تتجاوز كثيرا تلك المعدلات بحال اتجهت نحو المضاربة في عديد من المخططات خارج المدن، ودون تحمل أي أعباء تذكر مقارنة بالأعباء على كاهل القطاع الخاص.

إن مضمون السبب الثاني يعني توافر جاذبية أكبر للأموال لدى الأراضي على حساب الاستثمار في مجالات الإنتاج والتشغيل المتاحة أمام القطاع الخاص، ويعني أيضا أنه كلما زاد اجتذاب الأراضي مخزنا لقيمة الأموال والثروات وسببا في تضاعف قيمتها عاما بعد عام، زادت التحديات والأعباء والتكاليف على كاهل منشآت القطاع الخاص حسبما ورد في السبب الأول.

يقتضي ما تقدم استعراضه أعلاه في صورة موجزة، أن يتخذ واضعو السياسات الاقتصادية الكلية عديدا من الإجراءات والتدابير العاجلة، ويتم العمل على القضاء على هذه التشوهات التي تسبب وجودها في الحد من تحقيق أحد أهم مستهدفات رؤية المملكة 2030، المتمثل في زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى ما تسبب وما زال يتسبب فيه من الحد من قدرة القطاع الخاص على زيادة فرص العمل اللازمة لاستيعاب مخرجات التعليم العام والعالي من الموارد البشرية المواطنة، التي سيؤدي تزايدها إلى خفض معدلات البطالة محليا، عدا ما سيؤدي إليه ذلك من تحقق كثير من الإيجابيات على مستوى بقية المتغيرات الاقتصادية الكلية، من تحسن مستويات المعيشة لأفراد المجتمع، والحد من تنامي القروض على كاهلهم، وزيادة قدرتهم على مستوى الادخار والإنفاق الاستهلاكي محليا، وهو ما سبق الحديث موسعا حوله في أكثر من مقال سابق، فهل نرى تحركا سريعا وقريبا في هذا الاتجاه التنموي المحوري من قبل واضعي السياسات الاقتصادية الكلية؟

* نقلا عن جريدة الاقتصادية السعودية