.
.
.
.

"القطاع الثالث" في الاقتصاد .. حوكمة الجمعيات الأهلية

يحيى الجدران

نشر في: آخر تحديث:

لا ينحصر التخصيص -أو الخصخصة- في مجال القطاعات الاقتصادية المتنافسة في السوق -العام والخاص-، بل أيضاً هناك قطاعٌ آخرٌ يمكن أن يُخفِّف من الأعباء المالية على الدولة وهو القطاع الخيري.

يمكن اعتبار القطاع الخيري على أنَّه القطاع الثالث الذي يُحرِّك الاقتصاد، إلى جانب القطاع العام والقطاع الخاص الذي يضمُّ كلَّ المشاريع التجارية وغيرها من المشاريع الفردية كالشركات المهنية.

بالتالي، فإنَّ نقطة الاختلاف بين مشاريع القطاع الخيري وغيرها من المشروعات هي تحقيق الربح؛ فإذا استهدف المشروع الخاص تحقيق الربح لا يمكن اعتباره خيرياً حتى وإن لم يكنْ تجارياً؛ مثل شركات المحاماة أو المحاسبة وغيرها من الشركات المهنية.

بناءً عليه، يجب أن يستند القطاع الخيري على أسُسٍ إداريةٍ متينةٍ حتى يستطيع القيام بدوره في إكمال الدورة الاقتصادية بالنسبة للفئات الاجتماعية التي تحتاج إلى المساعدة، وذلك لا يمكن أن يتمَّ إلاَّ بانضباط المشاريع الخيرية ضمن الغاية المُحدَّدة لها، وعدم انحرافها باتِّجاه تحقيق الربح أو تمييز بعض أعضائها عن الباقين.

وفي المملكة، تنقسم المشاريع الخيرية إلى نوعَيْن أساسيَيْن؛ وهما: “الجمعيات الأهلية” التي تجمع عددٍ من الناس على غايةٍ خيريةٍ واحدةٍ، و: “المؤسَّسة الأهلية” التي يؤسِّسها شخصٌ أو مجموعةٌ أشخاصٍ على الأغلب بغاية تسخير أملاك مُعيَّنة في وجه الخير والإحسان.

وقد أصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مؤخَّراً قواعد خاصة بحوكمة الجمعيات الأهلية؛ على اعتبار أنَّ الجمعيات تعتمد على العدد أكثر من المال، وهذا ما يجعلها مُهدَّدة بالانهيار أكثر من المؤسَّسة التي تعتمد على رأس المال أكثر من العدد.

لهذا، فإنَّ جودة إدارة الجمعية هو مفتاح تحقيقها لأهدافها واستمراريَّتها، ولا يمكن ضمان هذه الجودة إلاَّ بقواعد تعتمد على الحوكمة الحديثة وليس فقط قواعد نظام الجمعيات والمؤسَّسات الأهلية.

لكن قواعد حوكمة الجمعيات الأهلية جاءت في كامل موادها استرشاديةٍ غير إلزاميةٍ (م/2 القواعد)، وهذا ما يعني أنَّ هذه الجمعيات ما يزال أمامها طريقٌ طويلٌ من التطوير الإداري حتى تبلغ المستوى المطلوب، ثم يصبح إلزامها بقواعد الحوكمة أمراً ممكناً.

ويمكن تحديد أهم النقاط الأساسية التي وردت كأهدافٍ لقواعد حوكمة الجمعيات الأهلية، كما يلي:

*تنظيم التعامل بين الأطراف ذوي العلاقة في الجمعية (م/3-أ القواعد)؛ فالمشكلة الأساسية التي قد تُواجِهُهَا الجمعية هي استغلال أعضاء مجلس إدارتها أو المدراء التنفيذيِّين لمراكزهم كأطرافٍ ذوي علاقةٍ، سواءً عبر التدخُّل في عمليات الشراء والبيع التي تجريها الجمعية، أو حتى إدارة الجمعية بالشكل الذي يريده المانحون حتى وإن كانت هذه الإدارة ستؤدِّي إلى ارتكاب جرائمٍ ماليةٍ مثل غسل الأموال.

*تحقيق الشفافية والنزاهة والعدالة والمساءلة (م/3-د القواعد)؛ وهو الأمر الذي تحتاجه الجمعيات الأهلية بالدرجة الأولى حتى تستطيع الارتقاء بمستوى إدارتها لعمليَّاتها. وهذا يتضمن ضرورة مبادرة إدارة الجمعية وكشف جميع علاقاتهم ومصالِحِهِم، ومعاملة أعضاء الجمعية بشكلٍ متساوٍ، والإسراع بعملية المحاسبة التأديبية داخل الجمعية لأيِّ عضوٍ في إدارتها يستغلُّ مركزه للإخلال بأهداف الجمعية أو بالأنظمة واللوائح ذات العلاقة.

*توفير أدوات فعالة ومتوازنة للتعامل مع حالات تعارض المصالح (م/3-و القواعد)؛ على اعتبار اتساع نشاط بعض الجمعيات، فإنَّ مصالح الجمعية قد تتعارض مع بعض أعضاء مجلس إدارتها مثلاً. الأمثلة على ذلك كثيرة: كأن تُقدِّم الجمعية الأهلية الدعم للمستهلكين في قطاع التكنولوجيا، في الوقت الذي يكون أحد أعضاء مجلس إدارة الجمعية مالكاً لإحدى الشركات التقنية التي تبيع منتجاتٍ الكترونيةٍ بطريقةٍ استغلاليةٍ للمستهلك؛ بسبب عدم وجود بديل، وهكذا تتعارض مصلحة العضو مالك شركة التكنولوجيا مع مصلحة الجمعية وقد يسعى لإصدار قرارات من مجلس إدارة الجمعية تَضَرُّ بأعضائها توخَّياً لمصلحة شركته التجارية.

إعداد ضوابط وإجراءات تهدف إلى منع أيَّ تجاوزٍ للصلاحيات المعتمدة في الجمعية؛ وهذا يعني أنَّ على كلِّ جمعية أن تُصدِرُ مجموعةً من الأنظمة الداخلية على شكل ضوابطٍ لعملها، بحيث تكون هذه الأنظمة أكثر تخصيصاً وتفصيلاً لنوعية نشاط الجمعية من الأنظمة والقواعد العامة. يدعم هذا النشاط عملية التنظيم الذاتي للجمعية، ويمنحها الفرصة لتشكيل معايير حوكمةٍ خاصةٍ بها، ومناسبةٍ لظروف نشاطها.

وبالنتيجة، يمكن القول بأنَّ أهداف قواعد حوكمة الجمعيات الأهلية في المملكة تصبُّ في خانة الارتقاء بإدارة النشاط الاقتصادي في القطاع الخيري “الثالث”، ومواكبة التطوير الإداري الذي ينتهجه القطاعَيْن العام والخاص؛ وهكذا يستطيع القطاع الثالث في الاقتصاد تحقيق الغاية من وجوده وتطوير قدراته.

لكن كان يفضل عدم اعتبار قواعد حوكمة الجمعيات الأهلية بأنَّها قواعدٌ استرشاديةٌ غير ملزمةٍ بكامل معاييرها، حيث كان الأفضل فرض هالةٍ من الالتزام لبعض قواعد الحوكمة الأساسية مثل تلك التي تخص مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والأطراف ذوي العلاقة وتعارض المصالح؛ حيث إنَّ هذه المحاور هي العمود الفقري لأية قواعدٍ تخصُّ الحوكمة، وهي التي يمكن البناء عليها لتطوير أنظمة الحوكمة وجعلها أكثر صرامةً في المستقبل.

* نقلا عن جريدة مال السعودية