.
.
.
.

طاقة الشمس لا تحجب بغربال

م. عبدالرحمن النمري

نشر في: آخر تحديث:

وفق رؤية السعودية 2030 الطموحة، تهدف المملكة إلى تنويع مصادر الطاقة والمضي قدما بفاعلية في زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، وما نشهده على أرض الواقع يدل على أن هناك حرصا من القيادة نحو هذا الهدف الاستراتيجي، وعملا دؤوبا بقيادة وزارة الطاقة والجهات ذات العلاقة، يذكر فيشكر.

أهداف هذا التوجه الاستراتيجي كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، تنويع الاقتصاد، والحفاظ على الثروات الناضبة ورفع كفاءة استخراجها واستهلاكها وعلى رأسها النفط. من أهدافها أيضا خفض الانبعاثات، ونقل التقنيات وتوطينها وغيرها كثير. الطاقة الشمسية أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة التي تشهد حراكا متسارعا على مستوى العالم، وتطورت تقنياتها تطورا لافتا في العقد الأخير ما انعكس على تكلفة إنتاجها، وجدواها الاقتصادية بطبيعة الحال. هناك من يتعاطى بمبالغة عجيبة حول دور ومستقبل الطاقة الشمسية على المديين القصير والمتوسط نكاية بالوقود الأحفوري عموما، والنفط خصوصا. في المقابل هناك من يقلل من شأنها ويسعى جاهدا إلى تهميشها بمبالغة عجيبة أيضا انتصارا للنفط، في اعتقادي أن العلاقة بين مصادر الطاقة لا تقوم على معادلة صفرية، بل تقوم على مبدأ التكامل والمنفعة الناتجة عن هذا التكامل.

هناك من يعي هذه الحقيقة، ويؤمن بهذه العلاقة التكاملية، بل بدأوا منذ أعوام بخطوات عملية مبنية على استشراف واقعي لمستقبل الطاقة في العالم، وأهمية تنويع مصادره. السعودية كعادتها دائما رائدة وفي طليعة من يعملون باحترافية وموضوعية نحو إمدادات مستقرة وموثوقة للطاقة محليا وعالميا. تهدف السعودية - بإذن الله تعالى - إلى إنتاج ما يقارب 200 جيجاوات من الطاقة الشمسية بحلول عام 2030، والمتوقع أن تصل تكلفته إلى 200 مليار دولار.

هذا المشروع الطموح يعد الأضخم في العالم بلا منازع، ويخفض فاتورة إنتاج الكهرباء بنحو 40 مليار دولار. من أهداف هذا المشروع أيضا، تقليل تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية، حيث ستستخدم هذه الطاقة بشكل رئيس في تحلية المياه والزراعة، وسيصدر الفائض منها، ما يدعم "الرؤية" في تنويع مصادر الدخل. في رأيي أن إنزال مصادر الطاقة منزلها الحقيقي عين الحكمة، بعيدا عن المماحكات السياسية والمصالح الاقتصادية، فلا يمكن في رأيي للطاقة المتجددة أن تقصي الوقود الأحفوري، وفي المقابل لن يستطيع الوقود الأحفوري إقصاء الطاقة المتجددة.

النمو السكاني العالمي والصناعي متسارع جدا، ما يعني أن الخطر الحقيقي في المستقبل المتوسط والبعيد هو شح الطاقة، وعدم القدرة على تلبية حاجة العالم المتعطش لحياة أكثر مدنية وتطورا.

هذا الخطر المتوقع دفع بعض الجهات المختصة وبيوت الخبرة التي يعتد بمخرجاتها إلى التحذير من ضعف الاستثمار في التنقيب عن النفط والغاز، والتحذير من تقويض صناعته بذريعة حماية البيئة، ذلك سينعكس سلبا على الإمدادات النفطية مستقبلا حتى مع التوجه العالمي لرفع الطاقة الإنتاجية من الطاقة المتجددة بأنواعها المختلفة، الشمسية والرياح وغير المتجددة، كالطاقة النووية وغيرها.

بدا جليا أن المعادلة قد تغيرت، وأن الدراسات الاستشرافية تحتاج إلى تمحيص ومواكبة لهذه المتغيرات المتسارعة، لاتخاذ قرارات استراتيجية صحيحة، وأنصح بعض الدول وبيوت الخبرة والوكالات المختصة في قطاع الطاقة الاستفادة من الاستراتيجية السعودية، فهي أنموذج يحتذى به في مواكبة التغيرات واستشراف المستقبل بموضوعية وتوازن وإنصاف.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.