.
.
.
.

حصالة ناهل

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

ناهل هو رجل في أول الخمسينيات نجح أخيرا في شراء سيارة طالما تمناها ولم تساعده ظروف الحياة على اقتنائها، كون ثمنها مرتفعا، وكونه يؤجل عاما بعد عام لأن هناك مشاريع أسرية أو حياتية أهم.

في عام 2016 حاول شراء هذه السيارة، وكادت المحاولة أن تنجح، فجعله عدم النجاح حينها يدرك أنه يعمل على مشروعه الشخصي دون خطة، فتقسيطها غير متاح لوجود التزامات أخرى، وهو لا يخوض في مغامرات مالية من أجل الكماليات.
كان لدى ناهل "حصالة" كما يسميها عبارة عن محفظة أسهم يجمع فيها الاكتتابات، وأحيانا يشتري ويبيع على خفيف. يسيلها أو جزءا منها عند "الزنقة"، ويعيد الشراء أو الاكتتاب عند تيسر الحال.

قرر أنه سيتظاهر بضياع مفتاح هذه الحصالة، وجعلها وعاءه الادخاري، وبات لا يضع فيها إلا المبالغ التي لن يحتاج إليها، إضافة إلى الاكتتابات الجديدة، ووضع لحصالته أو لمدخراته شروطه الخاصة.
من شروطه عدم شراء أسهم الشركات الخاسرة، أو تلك التي تتذبذب كثيرا، والتركيز على الشركات ذات النمو المستمر، والتوزيعات الدائمة ربعيا أو نصفيا، على أن يعيد ضخ هذه التوزيعات في الحصالة.

لم تكن النتائج كبيرة لكنها تنمو أمام عينيه، وحدثت النقلة عندما قررت جهة عمله وهي أحد المصارف السعودية أن تبدأ برنامج ادخار لموظفيها، حيث تكافئ من يقتطع مبلغا ثابتا من راتبه بمنحه المبلغ نفسه "حتى سقف معين" واستثمار المبلغين في استثمارات منخفضة المخاطر، على أن يستمر لمدة عامين، وإذا انسحب مختارا تعود إليه مبالغه فقط.

البرنامج كان جزءا من المسؤولية الاجتماعية تجاه الموظفين، وتجاه المجتمع، حيث يسهم في تحقيق "رؤية المملكة" التي وضعت رفع مستويات الادخار ضمن أهدافها الجميلة والمهمة.
أصبح لدى ناهل حصالتان، وأصبح يلمس نتيجة هذه الثقافة، ثقافة الادخار، وبعد توفيق الله في اختياراته للأسهم، ثم بعد انتهاء البرنامج وجد أنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هدف شراء السيارة.

فتح الحصالتين، وباع سيارته التي معه، واشترى سيارة جديدة، وأيقن أن الادخار متى ما كان أسلوب حياة فإنه يحقق جودتها.
ناهل بدأ متأخرا، وعليك أن تفكر أنك لو بدأت مبكرا سيمكنك - بإذن الله - تحقيق هدف أكبر وربما أهم من شراء سيارة.
الادخار الذي تركز عليه "الرؤية السعودية" من أهم مرتكزات بناء ثقافتك المالية والإنتاجية، وهو ممارسة كانت حاضرة في الثقافة الجمعية منذ أن قسم شاعر نجدي قديم عوائد "المكدة" إلى ثلاثة أقسام أهمها القسم الذي يتم ادخاره.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.