.
.
.
.

تراجع كثافة استخدام الطاقة

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

أثيرت قبل عدة أعوام مخاوف من تنامي استهلاك المملكة من الطاقة إلى مستويات مرتفعة تفوق إنتاجها. وخرجت في بعض وسائل الإعلام سيناريوهات تتنبأ بتحول المملكة إلى دولة مستوردة للطاقة بعد مدة من الزمن؛ نظرا لتسارع نمو استهلاكها بمعدلات تستنزف ثرواتها. واستغل البعض أو لم يدركوا حقيقة تسارع نمو استهلاك الدول للطاقة خلال فترات نموها، وخصوصا في مراحل مشاريع البنية الأساسية الضخمة والضرورية، للارتقاء إلى مستويات الدول المتقدمة. إضافة إلى ذلك، تم التغاضي عن صعوبة وقوف صناع السياسات والمجتمعات من دون حراك لوقف استنزاف الثروات. شهد استهلاك المملكة من الطاقة نموا قويا خلال العقود الماضية، حيث ارتفع من نحو 924 مليون برميل نفط مكافئ في 2005 إلى ما يقارب 1586 مليون برميل نفط مكافئ في 2015، مسجلا نموا يقارب 72 في المائة خلال عشرة أعوام. أما العقود التي سبقت تلك الفترة، فقد نما فيها الاستهلاك المحلي من الطاقة بمعدلات أعلى.

خلال الأعوام الأربعة التالية لـ 2015 وعلى خلاف المتوقع استقر استهلاك المملكة من الطاقة نسبيا حول المستويات المسجلة في 2015. أما في 2020، فقد أثرت أزمة كورونا سلبا في استهلاك الطاقة في المملكة - مثلها مثل بقية دول العالم - لكن بشكل محدود، حيث تراجع إلى 1527 مليون برميل نفط مكافئ. وهذا يقل بنسبة 5.1 في المائة عن مستوى أعلى استهلاك مسجل في تاريخ المملكة في 2017 البالغ نحو 1610 ملايين برميل نفط مكافئ.

يعد عام 2020 استثنائيا بسبب الإغلاق الجزئي خلال العام لكثير من مرافق الاقتصاد، وإن كانت المملكة أقل تأثرا من معظم دول العالم بالجائحة. وتوضح بيانات الطلب المحلي على النفط والمنتجات النفطية الشهرية في المملكة حدوث تراجع محسوس لحجمه خلال فترة الإغلاق، حيث انخفض إلى نحو مليوني برميل خلال نيسان (أبريل) 2020. عاود الاقتصاد الوطني إلى حد كبير نشاطه في 2021، ونتيجة لذلك ارتفع متوسط الطلب المحلي على النفط ومنتجاته إلى نحو 2.54 مليون برميل يوميا في النصف الأول من 2021، ما يمثل تحسنا بنسبة 4.8 في المائة عن معدلات الطلب المحلي للفترة نفسها العام الماضي.

نظرا لعودة الأوضاع الاقتصادية إلى طبيعتها في النصف الأول من 2021، فيمكن مقارنة بيانات الاستهلاك أو الطلب المحلي للفترة مع نظيراتها في الفترات المماثلة خلال الأعوام السابقة من دون تحيز. وتفيد بيانات منتدى الطاقة العالمي إلى تراجع الطلب المحلي على النفط ومنتجاته بنسبة 15.6 في المائة خلال النصف الأول من 2021 مقارنة بالفترة نفسها قبل ستة أعوام. وجاء التراجع نتيجة عدة عوامل، من أبرزها: سياسات التحرير الجزئي لأسعار منتجات الطاقة، والتحولات التي شهدها الاقتصاد الوطني خلال الأعوام الماضية إلى القطاعات الخدمية، وانخفاض أنشطة البنية الأساسية.

تراجع الطلب على البنزين في النصف الأول من 2021 بنسبة 17 في المائة مقارنة بالنصف الأول من 2015. ويعود هذا التراجع إلى تحرير الأسعار الذي رفعها ما حفز المستهلك نحو الاقتصاد في استهلاك البنزين والتحول إلى المركبات الأقل استهلاكا للبنزين. من جهة أخرى، شهد الطلب على الديزل تراجعا قويا خلال النصف الأول من 2021 مقارنة بالفترة نفسها قبل ستة أعوام، حيث انخفض بنسبة 35 في المائة. ولم تشهد أسعار الديزل زيادة سعرية في قطاع المواصلات ما عدا ضريبة القيمة المضافة، ومع هذا انخفض استهلاكه بقوة خلال الفترة. ويرجع هذا الانخفاض إلى تراجع استهلاكه في قطاعات أخرى غير قطاع المواصلات. ويبدو أن هناك نجاحات في سياسات استبدال الديزل الجزئية في توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه بأنواع وقود أخرى أرخص، كالغاز الطبيعي وزيت الوقود. كما يعود جزء من التراجع إلى انخفاض أنشطة البنية الأساسية عالية الاستهلاك للديزل، وإلى استقرار استهلاك الطاقة الكهربائية خلال الأعوام القليلة الماضية.

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في النصف الأول من 2021 بنسبة 13 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من 2015 (من 1276 إلى 1441 مليار ريال بالأسعار الجارية). من جهة أخرى، يشكل النفط الخام ومنتجاته معظم استهلاك المملكة من الطاقة، بينما يسهم الغاز الطبيعي بباقي الاستهلاك. وتراجع الطلب المحلي (الاستهلاك تقريبا) على النفط ومنتجاته في النصف الأول من 2021 مقارنة بالفترة نفسها من 2015 بنحو 450 ألف برميل يوميا. أما استهلاك الغاز الطبيعي، فلا تتوافر بيانات عن حجمه خلال فترة النصف الأول من 2021، وإن كانت بيانات 2020 تفيد بارتفاعه بنحو 150 ألف برميل يوميا، وهذه الكمية تقل عن تراجع استهلاك النفط ومنتجاته بنحو 300 ألف برميل يوميا. وبشكل إجمالي تفيد البيانات بتزامن نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من 2021 مع تراجع كميات الطاقة المستهلكة مقارنة بالفترة نفسها قبل ستة أعوام. ويعبر هذا بشكل صريح وواضح عن تراجع كثافة استخدام الطاقة في توليد النشاط الاقتصادي وتحسن في كفاءة استخدام الطاقة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.