.
.
.
.

التمويل الإسلامي والمشاريع الصديقة للبيئة

د. صلاح بن فهد الشلهوب

نشر في: آخر تحديث:

في خبر تم إعلانه أن شركة البحر الأحمر أعلنت عملها على جمع تمويل بمقدار عشرة مليارات ريال من خلال جهات التمويل التي تدعم تمويل الأعمال والمشاريع الصديقة للبيئة، التي تسمى تمويلا أخضر، والشركة تعمل على بناء مجموعة من المشاريع السياحية في المنطقة كالفنادق والمنتجعات السياحية المميزة بطرازات معمارية مميزة مستوحاة من الطبيعة، لتكون وجهة لكثير من الذين يبحثون عن السياحة الطبيعية حول العالم. تتميز مجموعة من المشاريع الجديدة في المملكة بالعناية بقضايا رئيسة وإنسانية عالميا مثل مسألة تغير المناخ، إذ بدأت فعليا بمشاريع خاصة بالسعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر وغيرها من المبادرات التي أصبحت رائدة فيها، ومن خلال النظر في التشريع الإسلامي نجد أنه اهتم بهذه المسألة في أحلك الظروف، وذلك بالاهتمام بالكائنات التي خلقها الله في هذه الأرض واستخدام قدر الحاجة منها دون إسراف والاهتمام والعناية بالبيئة، ومن هنا فإن مبادرات من هذا النوع تتسق مع المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التي تسهم في حفظ النفس سواء من الإضرار بالبيئة التي سيلحق ضررها قطعا بالإنسان الذي يعيش فيها أو الكائنات التي توفر للإنسان الغذاء وغيره من الاحتياجات.
التمويل الإسلامي أسهم بشكل كبير في توفير فرص التمويل والاستثمار للمجتمعات المسلمة، وحقق نموا كبيرا في حجم الأصول خلال العقود الخمسة الماضية، كما أنه حقق تنوعا ومرونة في التعامل مع احتياجات المجتمعات، إضافة إلى تنوع الخيارات في الاقتصاد العالمي، ونلاحظ كفاءة منتجاته في مواجهة أزمات مثل التي مرت على العالم في عام 2008.
الاهتمام بالتمويل الأخضر للتمويل الإسلامي يتناسب مع مبادئه السامية، حيث تتميز المالية الإسلامية بأنها تقوم على قيم ومعايير تلتزم بها حتى لو كان على حساب الربح أو الفرص، وهذا على خلاف الأنظمة الاقتصادية مثل الرأسمالية التي تعتمد على الربحية والمنفعة كأساس وتبقى مسؤولية الدول والأفراد في وضع المعايير الخاصة بهم، وقد برزت اليوم اتجاهات للحد من جموح النظام الرأسمالي لضبطها إنسانيا وأخلاقيا وبيئيا، ومن هنا ظهرت أنظمة تقيد ممارسات الرأسمالية برز منها الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الأخلاقي والاقتصاد الأخضر، وهذه الاقتصاديات بدأت تأخذ زخما أكبر عالميا لمواجهة السلبيات في الاقتصاد الرأسمالي الذي أصبح اليوم يتفرد عالميا بعد سقوط أنظمة أخرى مثل الشيوعية.
وجود مشاريع عملاقة مثل شركة البحر الأحمر وعملها على مشاريع تعتمد على مواد وخامات صديقة للبيئة سيعزز من اتساع تطبيقات هذا الاقتصاد واعتماده عالميا والمنافسة فيه، كما يمكن أن يخفض تكلفته ويجعل منه قيمة اقتصادية بسبب تحقيقه للاستدامة في مشاريعه وميل المجتمعات المحتمل مستقبلا إلى الالتزام به بما يؤدي إلى حياة وبيئة أفضل للإنسان حول العالم.
تنوع أدوات التمويل الإسلامي يمكن أن يسهم في دعم المشاريع الصديقة للبيئة من خلال التمويل المباشر أو من خلال المشاركة والاستثمار أو من خلال إصدار الصكوك، ومن الممكن أن يكون هناك صناديق استثمارية متخصصة متوافقة مع الشريعة يكون هدفها دعم مثل هذا النوع من المشاريع، إضافة إلى أنه يمكن أن يكون هناك دعم للدراسات والبحوث في هذا المجال وذلك بدعم المراكز البحثية من خلال مؤسسات التمويل الإسلامي كجزء من رسالتها، أو من خلال المؤسسات غير الربحية والأوقاف.
وجود مشاريع ضخمة في المملكة صديقة للبيئة سيكون له أثر أن تتبوأ مكانة عالمية في خريطة الاقتصاد الأخضر، كما يمكن أن تقود تحولا لا مفر منه للإنسان ليستطيع استدامة العيش على هذه الأرض، وهو جزء من مسؤولية الإنسان في عمارتها وتجنيبها كوارث بسبب الممارسات غير المسؤولة التي تؤثر في الكائنات الحية التي تعيش فوقها.
فالخلاصة مشاريع شركة البحر الأحمر يمكن أن تكون أنموذجا للمشاريع العملاقة صديقة للبيئة وهي بهذا تقدم ممارسة تطبيقية لنماذج للتحولات مستقبلا باتجاه الاقتصاد الأخضر في العالم، وبما أن المحافظة على البيئة وسلامة الإنسان مسألة بارزة في التشريع الإسلامي، فإن مساهمة المؤسسات المالية الإسلامية في مثل هذه المشاريع فرصة لإبراز الروابط بين الاقتصاد الإسلامي والاهتمام بسلامة الإنسان، وذلك يمكن أن يكون من خلال التمويل أو الاستثمار والمشاركة ماليا بتلك المشاريع.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.