.
.
.
.

أوروبا وأزمة الطاقة غير المسبوقة

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

في عالم تسوده العولمة، يصعب احتواء أزمة الطاقة على المستوى الإقليمي لفترة طويلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتضرر سلسلة التوريد. تجتاح أوروبا الآن أزمة طاقة غير مسبوقة، وربما بدأت بالفعل في الانتشار. في الأسابيع الأخيرة، ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا. وفقا لتقديرات "رويترز"، ارتفع سعر الغاز في مركز TTF الهولندي، وهو معيار أوروبي لتداول الغاز الطبيعي، بنسبة 250 في المائة منذ بداية العام، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الكهرباء إلى مستويات قياسية. حيث تم تداول الغاز في أوروبا بأكثر من 900 دولار لكل ألف متر مكعب.
هذه الأزمة ليست مفاجئة، لقد بدأت تلوح في الأفق منذ حزيران (يونيو) على الأقل، عندما تناقصت المخزونات تدريجيا دون المستويات المعتادة خلال الصيف، وتفاقمت المشكلة مع تضاعف أسعار الغاز بأكثر من ثلاث مرات هذا العام على خلفية الأنباء التي تفيد بأن شركة غازبروم قررت عدم زيادة ضخ الغاز عبر بولندا وأوكرانيا في تشرين الأول (أكتوبر).
ارتفاع أسعار الغاز عزز أيضا الطلب العالمي على الفحم. في هذا الصدد، ضاعف بنك جولدمان ساكس أخيرا توقعاته لأسعار الفحم في آسيا، متوقعا أن يبلغ متوسط سعر الفحم الحراري القياسي في نيوكاسل 190 دولارا للطن في الربع الرابع، ارتفاعا من توقعاته السابقة البالغة 100 دولار للطن، نظرا لارتفاع أسعار الغاز قبل موسم التدفئة في الشتاء. بالفعل، تكافح أوروبا بأكملها، بما في ذلك المملكة المتحدة، ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء قبل موسم التدفئة الشتوي بسبب شح إمدادات الغاز، والانخفاض الكبير في مخزونات الغاز في جميع أنحاء القارة، وانخفاض توليد طاقة الرياح.
في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أجبرت أسعار الغاز المرتفعة والطقس الدافئ على إعادة تشغيل محطة فحم قديمة لتلبية الطلب على الكهرباء. إذا لم تتم الآن إعادة تعبئة مخزونات الغاز وأصبح الشتاء باردا بدرجة كافية، فقد تضطر دول الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تشغيل محطات الطاقة التي تستخدم أنواعا أخرى من الوقود غير الغاز، بما في ذلك الفحم، لتوليد ما يكفي من الكهرباء. سيضر هذا السيناريو بطموحات الاتحاد الأوروبي للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
قد تكون آسيا، أكبر مشتر للغاز والفحم في العالم، هي التالية، مع تعرض الصين للخطر بشكل خاص بسبب حجم اقتصادها. ربما يغيب عن بال الكثيرين أن المشكلة الكبرى للصين ليست الغاز بل الفحم. في هذا الصدد، ذكرت وكالة "بلومبيرج" الأسبوع الماضي نقلا عن مصادر حكومية أن الفحم هو الذي يشغل أغلبية محطات الطاقة في الصين. ووفقا للمصادر نفسها، يجد مشغلو محطات الطاقة الصينية صعوبة في شراء ما يكفي من الفحم للحفاظ على تشغيل منشآتهم، ما يزيد من احتمال حدوث أزمة في الطاقة عندما يأتي فصل الشتاء. المخزونات منخفضة بسبب ارتفاع أسعار الفحم، ما اضطر بعض محطات الطاقة إلى إيقاف تشغيل وحداتها لعدم كفاية الإمدادات ولتوفير التكاليف. لكن، قد يؤدي هذا إلى زيادة الطلب على الغاز لضمان ما يكفي من الكهرباء والتدفئة لفصل الشتاء. سيؤدي هذا إلى تفاقم الفجوة بين العرض والطلب العالمي.
أزمة الطاقة هذه كانت في طور التكوين لأعوام. بالفعل، أزمة الطاقة في أوروبا ليست مفاجئة مع تزايد اعتمادها بنحو متزايد على مصادر الطاقة المتقطعة، مثل الرياح والطاقة الشمسية، وما ترتب على ذلك من نقص الاستثمار في إنتاج الغاز المحلي، ما جعلها تعتمد بالكامل تقريبا على الواردات من أجل أمن الطاقة وتلبية الطلب المحلي.
وبالمثل، فإن الصين - إلى جانب الهند - على وشك أن تصبح ضحية لنقص الاستثمار أيضا في الفحم. لقد أصبح الوقود الأحفوري هدفا لكثير من أجندات تحول الطاقة وغير محبذ لدى المستثمرين، لذلك ارتفاع أسعار الفحم هذا العام كان بمنزلة صدمة كبيرة لهم. في هذا الصدد، أفادت مصادر محلية في وقت سابق من هذا الشهر، بأنه في العاشر من أيلول (سبتمبر) تم تداول الفحم القياسي عند 177.5 دولار للطن. كان هذا ارتفاعا بأكثر من الضعف منذ بداية العام. وفي السياق نفسه قالت وود ماكينزي، ما نراه الآن هو معضلة للمستثمرين والممولين والشركات. على الرغم من الجهود المبذولة لنقل المنطقة بأكملها إلى مستقبل طاقة متجددة، ما زالت بحاجة إلى الفحم للأعوام العشرة المقبلة على أقل تقدير.
هناك بالفعل معضلة، بين تحول الطاقة وأمن الطاقة. تثبت الزيادة في أسعار الفحم والغاز أن تحول الطاقة لن يكون سلسا ولا سهلا. لكن هناك تداعيات فورية أكثر لأزمة الطاقة، ستنتشر على مستوى العالم.
في المملكة المتحدة، تشعر الصناعات بقلق من ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، وهذا ليس جيدا للتضخم والنمو الاقتصادي. والصين، رغم أنها تتمتع برقابة مركزية أكبر بكثير من اقتصاد المملكة المتحدة، إلا أنها لا تختلف كثيرا في الأساسيات. إذا ارتفعت أسعار الكهرباء، سترتفع أسعار كل شيء آخر، ما يضر بالنمو الاقتصادي. والأسوأ من ذلك أنه إذا لم يكن هناك ما يكفي من الفحم والغاز للصين، فلن يكون هناك ما يكفي من هذه الموارد لأي دولة أخرى تحتاج إلى استيراده. الدول التي لديها إنتاج محلي من الفحم والغاز ستجني ثروة من صادرات الطاقة. لكن البقية، الذين يتعين عليهم الدفع مقابل تلك الطاقة، سيشهدون التأثيرات نفسها في نموهم الاقتصادي، وبالتحديد احتمال حدوث أزمة شديدة.
في هذا الجانب، يقول البعض إن أزمة الطاقة الحالية في أوروبا دليل كاف على أن هناك شيئا غير صحيح في الطريقة التي تعامل بها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مع تحول الطاقة. على سبيل المثال، قال محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة أوبك لشبكة "سي إن بي سي"، إن هناك علاوة جديدة ناشئة في أسواق الطاقة أطلق عليها "علاوة تحول الطاقة". ما يعنيه هذا، بشكل أساسي، هو أن تحول الطاقة يجعل الطاقة أكثر تكلفة على الرغم من الوعود بتكلفة معقولة. ومع ذلك، يحرص آخرون على عدم إلقاء اللوم على أي شيء يتعلق بالتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، حيث ذكرت وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق من الأسبوع الماضي أن هناك "عدة عوامل متعلقة بالطقس" من بين أسباب ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا. وقالت الوكالة: "يشمل ذلك موسما شديد البرودة وطويلا في أوروبا خلال الشتاء الماضي، وتوافر طاقة الرياح أقل من المعتاد في الأسابيع الأخيرة".

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.