.
.
.
.

التنافس الاقتصادي العالمي على المعادن النادرة

ثامر محمود العاني

نشر في: آخر تحديث:

إن التنافس الاقتصادي على المعادن النادرة ليس محصوراً بين أميركا والصين، وإنما يمتد ليشمل قوى دولية مهمة مثل أوروبا. إذ توسعت المنافسة بين أميركا والصين وأوروبا، مع اكتشافات المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة، وهو ما ينطبق أيضاً على اكتشافات النفط والغاز، حيث اندلعت الصراعات واشتعلت الحروب حول المناطق الغنية بتلك الموارد، وهو ما يعني أن المنافسة على الثروات والموارد تزداد حلقاتها مع كل اكتشافات جديدة دون أن يقلل ذلك من أهمية الاكتشافات السابقة، فإذا كان الصراع قد بدأ حول العشب وموارد المياه، فلم تمنع الاكتشافات المتتالية من استمرار هذا الصراع، إذ يدل على ذلك ما يجري في كثير من مناطق العالم من صراعات حول المياه والنفط وغيرهما.

والتكنولوجيا الحديثة بمنتجاتها المتطورة أضفت أهمية خاصة لبعض الثروات المعدنية الكامنة في باطن الأرض التي تعرف بالمعادن الأرضية النادرة، حيث اعتمدت عليها اعتماداً كلياً، فقد أضحى من المستحيل أن يكون لدينا أحد هذه المنتجات التكنولوجية دون استخدام مثل هذه المعادن، فهي تُستخدم في كل شيء بدءاً من الصواريخ مروراً بتوربينات الرياح، والأجهزة الطبية، والأدوات الكهربائية، والهواتف المحمولة، وصولاً إلى محركات السيارات الهجينة والكهربائية.

وقد يكون من الممكن الحصول على مثل هذه المعادن النادرة في مختلف أنحاء العالم، إلا أنه من الصعوبة بمكان أن يوجد في الدول احتياطيات بكميات عالية، أو أن تكون لديها القدرة على استخراج هذه المعادن وتطويرها وتوسيع استخداماتها، هذا ما جعل التنافس للسيطرة عليها وتملكها يكاد ينحصر بين القوى الأقوى اقتصادياً؛ الصين وأميركا وأوروبا. وإن كانت الكفة أكثر ترجيحاً للصين، كونها هي القوة المهيمنة على سوق هذه المعادن والمتحكمة في سلاسل التوريد؛ فهي أكبر منتج وأكبر مصدر ولديها أكبر احتياطي من المعادن النادرة. إذ يُقدر حجم إنتاجها عام 2020 بنحو 140 ألف طن بنسبة 58 في المائة من الإنتاج العالمي المُقدر بنحو 240 ألف طن، فضلاً عن امتلاكها احتياطياً يُقدر بنحو 44 مليون طن من إجمالي الاحتياطي العالمي المُقدر بنحو 120 مليون طن طبقاً لتقديرات عام 2020. دفع هذا أميركا لتكثيف جهودها لإنهاء الهيمنة الصينية على سوق هذه المعادن، من خلال اتخاذ خطوات واسعة للنهوض بسلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة، وتطوير بدائل لتعدين هذه العناصر، إذ يبلغ الإنتاج الأميركي من هذه المعادن نحو 38 ألف طن متري بما يشكل 16 في المائة من إنتاجها.

إن مفهوم المعادن الأرضية النادرة لم يكن مألوفاً لدى غير المتخصصين في مجالات الأحياء والكيمياء والجيولوجيا والهندسة، ولكن مع ظهور التكنولوجيا الحديثة، اكتسبت هذه المعادن زخماً كبيراً بسبب خصائصها الفريدة واستخداماتها المهمة، إذ تشير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أنها وفيرة نسبياً في القشرة الأرضية، إلا أنه نظراً لطبيعة الاختلاف بين هذه النوعية من المعادن والمعادن الأخرى ترجع إلى كونها أكثر صعوبة في التعدين، من هنا جاءت تسميتها بالنادرة، لأن احتمال وجودها بتركيزات عالية بما يكفي للاستخدام الاقتصادي، ضئيل، كما أن عمليات استخراجها ومعالجتها وتكريرها شديدة الصعوبة. وتشمل قائمة هذه المعادن النادرة 17 عنصراً تنقسم إلى مجموعات فرعية خفيفة وثقيلة على أساس أوزانها الذرية، هي: اللانثانوم، والسيريوم، والبراسيوديميوم، والنيوديميوم، والبروميثيوم، والسماريوم، واليوروبيوم، والغادولينيوم، والتربيوم، والديسبروسيوم، والهولميوم، والإربيوم، والثوليوم، والإيتربيوم، واللوتيتيوم، والسكانديوم، والإيتريوم.

تكتسب هذه النوعية من المعادن أهميتها من دخولها في كثير من الصناعات للسلع التكنولوجية، وحتى أبسط هذه المنتجات تحتوي على عناصر أرضية نادرة، كما يتجلى استخدام هذه المعادن في السيارات الحديثة، وهي أحد أكبر مستهلكي منتجات المعادن النادرة، كما تستخدم في العشرات من المحركات الكهربائية، بالإضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام وأجهزة الاتصال الحديثة - الهواتف المحمولة وأجهزة التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر - تستخدم جميعها عناصر معدنية نادرة.

في ظل التنافس الاقتصادي حول الهيمنة على سوق المعادن الأرضية النادرة، تبرز الأزمة في ميانمار كنموذج للصراع، خاصة في ظل ما تتمتع به ميانمار من مكانة متميزة في سوق صناعة هذه المعادن النادرة، إذ تحتوي على نصف الخامات الأرضية النادرة في العالم، ويتم تصدير ثروتها المعدنية النادرة الثقيلة إلى الصين؛ لاستخراجها ومعالجتها، ثم يتم تصديرها إلى العالم، وذلك نظراً للقرب الجغرافي من الصين من ناحية، والتقارب العقائدي بينهما، فضلاً عن مساحة الاندماج الكبيرة بين الصين وميانمار، وهو ما دفع الصين إلى الحرص على إبعاد النفوذ الأميركي عن ميانمار، حيث تعد مصدراً رئيساً لواردات الصين من هذه المعادن.

ومن ناحية أخرى، سعت الصين في البحث عن مصادر أخرى لاستيراد هذه النوعية من المعادن، فكان التوجّه الصيني صوب ماليزيا وفيتنام ولاوس وكمبوديا، إذ إن توجه الصين في البحث عن مصادر جديدة لهذه النوعية من المعادن ليس بالأمر السهل، فعملية نقل سلاسل التوريد تتطلب الكثير من الجهود، كما أن هناك الكثير من عدم اليقين وعوامل غير مستقرة تحيط بالإمدادات الجديدة من تلك المصادر المحتملة.
لقد امتد التنافس الاقتصادي حول المعادن النادرة بين أميركا والصين وأوروبا وبشكل خاص فرنسا، حيث ليس من الممكن أن تظل القارة الأفريقية بعيدة عن ساحات الصراع والتنافس حول هذه النوعية من المعادن النادرة، وذلك في ضوء ما تحويه أراضي القارة الأفريقية من ثروات عديدة وموارد متنوعة، من بينها المعادن الأرضية النادرة، حيث يمكن النظر إلى أفريقيا على أنها البديل الأنسب من وجهة نظر البعض للحد من الهيمنة الصينية على هذه النوعية من المعادن، حيث تم تحديد عدد من دول جنوب وشرق أفريقيا، لديها رواسب عالية الجودة وكبيرة من المعادن الأرضية النادرة، لجعل استغلال التعدين بها مجدياً اقتصادياً، وتزويد حكوماتها وشعوبها بفرص اقتصادية جديدة، وتشمل هذه البلدان كلاً من: ناميبيا وجنوب أفريقيا وكينيا ومدغشقر وملاوي وموزمبيق وتنزانيا وزامبيا وبوروندي.

جدوى القول إن التنافس الذي تشهده سوق المعادن الأرضية النادرة بين الصين وهيمنتها وأميركا وطموحاتها وأوروبا وتطلعاتها، يمثل حلقة جديدة من حلقات التنافس على إدارة النظام الاقتصادي العالمي بين قطب لا يزال يتربع على قمته متمثلاً في أميركا، وقطب صاعد يسعى إلى حجز مكان له في قمة النظام يتمثل في الصين، وقطب عائد يسعى إلى استعادة مجد تحقق في أوائل منتصف القرن المنصرم يتمثل في أوروبا، وهو ما يجعل من الثروات التعدينية ساحة جديدة للتنافس الأميركي الصيني الأوروبي، خاصة إذا كانت هذه الثروات هي معادن نادرة لا يمكن إنتاج أي منتجات تكنولوجية دونما الاعتماد عليها بشكل أساسي.
*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.