.
.
.
.

ازدياد أهمية تحويلات العمالة

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

قادت العولمة، وفتح الأسواق وتحرير التجارة العالمية، وتطور التقنية، والنمو السكاني والتنمية البشرية في الدول النامية، واتساع فجوات الأجور بين دول العالم إلى زيادة هجرة وتدفق العمالة النظامية وغير النظامية في العقود الأخيرة. وصاحب ارتفاع تدفقات العمالة وتطور وتحرير النظام المالي العالمي نمو كبير في تحويلاتها. كان إجمالي تحويلات العمالة المهاجرة على المستوى العالمي محدودا في الماضي، حيث بلغ نحو 1.9 مليار دولار في 1970، حسب بيانات البنك الدولي. بعد ذلك شهدت التحويلات في الأعوام التالية نموا جيدا، وتضاعفت بأكثر من 60 ضعفا في العقود الثلاثة التالية مرتفعة إلى 122 مليار دولار في 2000. واصل إجمالي تحويلات العمالة المهاجرة نموه في العقدين التاليين حتى وصل إلى 646 مليار دولار في 2020.
تلعب تحويلات العمالة المهاجرة دورا حيويا ومتزايدا في العلاقات التجارية العالمية - وخصوصا بالنسبة للدول النامية - حيث يقدر بعض المصادر أن حجمها يفوق حجم مساعدات الإنماء العالمية بأربعة أضعاف. وترتفع أهمية تحويلات العمالة لعدد من الدول النامية والصاعدة، وتسهم بشكل كبير في سد فجوة المعاملات الخارجية ونهضتها الاقتصادية. تقف الهند على رأس الدول الأكثر تلقيا لتحويلات العمالة، حيث بلغت - حسب أحدث التقديرات - نحو 83 مليار دولار في 2020. تلي الهند في حجم تحويلات العمالة المكسيك والفلبين ومصر وباكستان بإجمالي مبالغ وصل إلى 43 مليارا، و35 مليارا، و30 مليارا، و26 مليار دولار على التوالي. تتصدر تحويلات العمالة مصادر النقد الأجنبي في هذه الدول وتعد أهم مصادرها. أما بالنسبة للصين، فتختلف تقديرات تحويلات العمالة، حيث يقدر بعض المصادر بأنها الثانية بعد الهند في حجم تلقي التحويلات، لكن بيانات البنك الدولي تفيد بتلقيها نحو 19 مليار دولار في 2020، وهو مبلغ كبير، لكنه أقل من تقديرات بعض المصادر التي ترى أنها قد تصل إلى 60 مليار دولار.
من الغريب وجود فجوة ليست بالهينة بين بيانات الدول الصادرة منها التحويلات والدول المتلقية، حيث تقل إبلاغات الدول مصادر التحويلات كثيرا عن إبلاغات الدول المتلقية. وتفيد تقديرات البنك الدولي بأن إجمالي تحويلات العمالة العالمي - حسب مصدر التحويل - بلغ نحو 385 مليار دولار فقط في 2020. وقد يعود تراجع تقديرات الدول حول المبالغ المغادرة لأراضيها، إلى تخلف أو تراجع قدرات بعضها في الرصد والإبلاغ عن التحويلات الصادرة منها، أو لاختلاف تصنيف البيانات بين الدول، أو عدم إفصاح المحولين الأفراد الدقيق عن حجم التحويلات تجنبا للضرائب والقيود على التحويلات الخارجية، أو قدرة كثير من الدول على ضبط مبالغ التحويلات المتلقاة بشكل أدق. وعموما يقف الاتحاد الأوروبي على قمة مصادر تحويلات العمالة المهاجرة بمبلغ 111 مليار دولار، تتبعه الولايات المتحدة بنحو 68 مليار دولار، ثم المملكة العربية السعودية بنحو 35 مليار دولار، وذلك حسب تقديرات البنك الدولي لعام 2020.
أسهمت تحويلات العمالة المهاجرة في نهضة ونمو عديد من الدول النامية وفي محاربة الفقر. وتشير تقديرات بعض الدول الآسيوية، إلى أن الزيادات في تحويلات العمالة خفضت نسب الفقر بنسب قوية في الدول المتلقية لها. وترفع التحويلات مستويات دخول الأسر المتلقية، وتزيد رفاهيتها وقوتها الشرائية، كما أنها ترفع الدخل القومي للدول مقارنة بالناتج المحلي. إضافة إلى ذلك، تحسن التحويلات موازين مدفوعات الدول الخارجية المتلقية لها، وتدعم معدلات صرف عملاتها، وتولد سيولة إضافية. وتوفر السيولة الإضافية موارد للاستثمار والنمو؛ ما يعزز معدلات النمو الاقتصادي وولادة المشاريع الجديدة ويرفع إجمالي الطلب المحلي في الدول المتلقية للتحويلات. وتعد تحويلات العمالة مثلا أكبر مصادر مصر الخارجية حيث تجني منها موارد تفوق كثيرا إيرادات قناة السويس أو السياحة. في المقابل، قد ترفع التحويلات أسعار السلع والخدمات، وترفع معدلات الأجور المحلية للدول المصدرة للعمالة المهاجرة؛ ما قد يخفض قدراتها التنافسية ويدفع إلى شح العمالة في بعض قطاعاتها.
تأتي تحويلات العمالة في الغالب من دول مرتفعة الدخل نسبيا، وقوية اقتصاديا، وتتمتع بقوة مالية، وعملات مستقرة، وتتوافر لديها فرص وظيفية أكبر، ومعدلات أجور مرتفعة نسبيا. أما الدول المصدرة للعمالة، فعادة ما تكون دولا منخفضة الدخل نسبيا، ومزدحمة سكانيا وترتفع فيها نسب الشباب، وتنخفض فيها معدلات الأجور مقارنة بالدول الجاذبة للعمالة المهاجرة. وعموما فقد عملت هجرة العمالة وتحويلاتها على سد فجوات العمالة في الدول المستوردة لها، وخففت من الضغوط على الوظائف لدى الدول المصدرة لها. وأدى هذا إلى الإسهام في زيادة الناتج المحلي العالمي ورفع معدلات نموه الكلي، وخصوصا في الدول المصدرة والمستوردة للعمالة. لكن هذا لا ينفي تسبب التحويلات والعمالة المهاجرة في بعض الآثار السلبية في دول وقطاعات اقتصادية معينة فيها.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.