.
.
.
.

السيادة السيبرانية والسيادة الاقليمية

نجلاء عبدالرحمن الحقيل

نشر في: آخر تحديث:

عند الحديث عن مدى تأثير التقنية و التكنولوجيا على حياتنا، نجد ان تأثيرها يشكل فارق ايجابي كبير من شتى النواحي. التقدم التقني والتكنولوجي جعل حياتنا أسهل و رفع من جودتها. لكن، لا يوجد شئ في هذه الحياة ليس به عيوب، ومن ضمنها التقدم التقني. يأتي السؤال الآن، عن أي العيوب اريد ان اسلط الضوء عليه. العيب الذي اعنيه في هذا المقال هو من المسيطر على الفضاء السيبراني؟ وكيف يمكن السيطرة عليه بما لا يضر مميزات التقنية؟

لا شك ان هذا السؤال ناتج من نقاش ليس له نهاية عن الجرائم التي تحدث عن طريق الارهاب السيبراني واستخدام العملات الرقمية المشفرة لغسل الأموال و الدفع للمجرمين لتأمين ما يحتاجه المشتري من ممنوعات، او لتأدية خدمات “إجرامية”. لذلك برز ما يسمى بالأمن السيبراني باعتباره تحديًا عالميًا، وأصبح تهديدًا أمنيًا من الدرجة الأولى للدول ذات السيادة. ويحتدم الجدل في المنتديات الدولية بشأن وضع قواعد الفضاء السيبراني ، والتحديات النظامية التي تواجه الحوكمة العالمية للفضاء السيبراني. لذلك أصبحت السيادة الإلكترونية او السيبرانية محور جدل كبير.

في هذا المقال، سوف اسلط الضوء على مفهوم السيادة الذي اعتدنا عليه والذي عرفته كتب السياسة و القانون الدولي منذ الازل، اذ ان هذا المفهوم مهم جدا، لو أردنا ان نغوص في أعماق الجرائم السيبرانية. السيادة الوطنية تعني ان السلطة الحاكمة في الدولة تملك كامل الحق في إدارة الدولة وإدارة علاقاتها الخارجية وسن القوانين والتشريعات وتطبيقها دون تدخل من هيئات او جهات خارجية.

ولهذه الدولة بموجب السيادة التي تمتلكها، جميع الحقوق والواجبات التي تملكها الدول بغض النظر عن مساحتها او قوتها او عدد سكانها. فعلى سبيل المثال، ليس من حق دول اخرى ان تفرض على المملكة العربية السعودية تطبيق قوانين معينة، او اعطاء معلومات او تفرض عليها اسلوب معين لسياستها الخارجية. وفي نفس الوقت، في حال دخول الدول في اتفاقيات دولية، يمكنها التعاون مع بعضها البعض بخصوص موضوع الاتفاقية، كتبادل المجرمين او المعلومات بخصوص بعض الجرائم ..الخ. وهذا ما يسمى بالسيادة الوطنية او الاقليمية، اذ انها مرتبطة بإقليم وحدود جغرافية ملموسة يمكن السيطرة عليها. لكن، ماذا عن السيادة الرقمية او السيبرانية حيث لا يوجد حدود جغرافية، وشخصيات غير معروفة هويتها الحقيقية، وجرائم تحدث في هذا الفضاء لا يمكن تتبعها؟ في السيادة السيبرانية، تكون السلطة للأفراد بحيث يمكنهم التخفي بشكل جيد، حتى انه قد نطلق عليهم دول الظلام استخلاص من مسمى الانترنت المظلم.

نجد كثير من الأبحاث تحدث عن موضوع السيادة السيبرانية، و وجوب السيطرة عليها اذا انها تؤثر على سيادة الدولة الاقليمية وعلى امنها الوطني و القومي. بـإعتقادي أن هذا الرأي له جانب من الصحة فيما يتعلق بالأمن القومي والوطني، لكنه يسلب القيمة الفريدة التي تمتلكها التقنية. على الرغم من أن فريق خبراء أمن المعلومات التابع للأمم المتحدة (GGE) قد توصل إلى درجة معينة من التوافق في الآراء، إلا أن الخلافات والشكوك العميقة لا تزال تقسم المجتمع الدولي ، لا سيما فيما يتعلق بثلاث قضايا.

أولاً، التناقض بين السيادة الإلكترونية وروح الإنترنت؛ إن حصرية سيادة الدولة الكلاسيكية تتعارض مع روح الإنترنت، التي تقوم على مفهوم الاتصال البيني غير المقيد. إذا تم التركيز على السيادة الإلكترونية ، فقد يتسبب ذلك في قيام كل دولة بإنشاء فضاء إلكتروني منفصل خاص بها ، مما يؤدي إلى تجزئة الإنترنت.

‎ثانيًا، التناقض بين السيادة الإلكترونية وحقوق الإنسان. وهذا يعكس التوتر بين مبدأ الإنترنت الخاص بحرية التعبير، وتدخل الدولة باسم السيادة الإلكترونية، مما يقيد التدفق الحر للمعلومات. و الثالث، هو التناقض بين الحوكمة السيبرانية و عدد أصحاب المصلحة الذين سيدخلون في عملية حوكمة هذا العالم. لذلك، يُقال إن السيادة الإلكترونية ستثير الجدل حول نمط إدارة الإنترنت. بمعنى، أن الحكم السيادي على الانترنت سيتحدى بشكل كبير النمط الحالي للحكم سواء كان حكم لا يوجد به احزاب او حكم متعدد الأحزاب.

‎ يلعب مفهوم السيادة الإلكترونية دورًا مهمًا في وضع القواعد الدولية للفضاء السيبراني. هذا هو جذر شجرة المشكلة ومصدر المشاكل الأخرى الناتجة عنها. لذلك، من المهم في مرحلتنا الحالية توضيح نقطة الاختلاف وحلها، وتحقيق الإجماع والتعاون الدولي حول هذه القضايا، فهذه هي التحديات التي تواجه المجتمع الدولي في المجال السيبراني.

‎ وأول مفاتيح حل هذا الاختلاف هو تكييف مفهوم السيادة التقليدية مع العالم في ظل مفهوم العولمة في عصر الفضاء السيبراني مع نهج علمي و عملي يمكن تطبيقه، من أجل تحقيق أكبر قاسم مشترك يحقق قبول من قبل المجتمع الدولي. بشكل عام، يعتبر هذا الموضوع من اكثر المواضيع صعوبة في مناقشتها نتيجة لتعدد أصحاب المصلحة و وجود لاعبين لا يمكن معرفتهم ولا تتبعهم في هذا العالم، وهذا ما سيتم مناقشتها في المقالات القادمة من حيث تعامل الدول الكبرى مع هذه القضية، خصوصا الصين اذ ان لها مواقف عدة لمحاولة السيطرة على السيادة في الفضاء السيبراني.

* نقلاً عن صحيفة "مال".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.