.
.
.
.

الوقود الأحفوري .. تباين في الاستشراف

م. عبدالرحمن النمري

نشر في: آخر تحديث:

أعتقد بما لا يدع مجالا للشك أن العالم ما زال وسيبقى متعطشا لجميع مصادر الطاقة دون استثناء، وأن عنوان المرحلة سيكون رفع كفاءة الإنتاج والاستهلاك، وليس إقصاء أو تهميش بعض هذه المصادر. النمو العالمي متسارع في شتى المجالات، وهذا يعني بالضرورة وجود إمدادات موثوقة ومستمرة للطاقة تغذي شرايين العالم لتواكب هذا النمو. اللافت في الآونة الأخيرة أن هناك تباينا كبيرا في استشراف مستقبل مصادر الطاقة العالمية وعلى رأسها الوقود الأحفوري من بيوت الخبرة ومراكز الدراسات والأبحاث المختصة في هذا القطاع، وبطبيعة الحال ما أدى إلى وجود تباين كبير في تعاطي وسائل الإعلام مع هذه القضية التي تهم العالم بأسره.
إدارة معلومات الطاقة الأمريكية على سبيل المثال، تتوقع أن حصة مصادر الطاقة في 2050 ستكون على النحو التالي: سيكون النفط 28.1 في المائة متربعا على عرش الصدارة، تليه الطاقة المتجددة بنسبة 26.4 في المائة، ويأتي الغاز ثالثا بنسبة تقارب 21.9 في المائة. في المرتبة الرابعة يأتي الفحم بنسبة تقارب 19.7 في المائة وهذا قد يفاجئ الكثيرين أن الفحم سيظل أحد مصادر الطاقة العالمية بعد 30 عاما من الآن! أخيرا تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن الطاقة النووية ستشكل في ذلك العام نحو 3.9 في المائة من إجمالي مصادر الطاقة العالمية. قبل تسليط الضوء على هذه الأرقام ومدى موضوعيتها لعله من المنطقي تسليط الضوء على التقارير الاستشرافية لوكالة الطاقة الدولية حول مستقبل الطاقة العالمي في 2050.
وفي طلب مستغرب دعت كالة الطاقة الدولية إلى التوقف عن أي مشروع جديد للتنقيب عن النفط أو الغاز غير المشاريع المتفق عليها سابقا، والوصول إلى الحياد الكربوني في هذا العام! بينما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بناء على الأرقام السابقة أن يشكل الوقود الأحفوري نحو 70 في المائة من مصادر الطاقة العالمية في العام ذاته. في رأيي أن هذا تباين كبير جدا بين توقعات الطرفين، بل نستطيع القول، إن المدخلات التي تم الارتكاز عليها من كل طرف تختلف كليا عن الأخرى، فالفرق بين مخرجاتهما ليس هامشيا يمكن تبريره باختلاف الدقة أو جودة المعلومات وصحة القراءة لها، بل الاختلاف جذري كليا لا يمكن مقارنته.
أرى أن وكالة الطاقة الدولية لم توفق أبدا في توقعاتها المستقبلية لمصادر الطاقة، وأن هذه الأرقام غير موضوعية ولا منطقية، وبعيدة كل البعد عن الواقع المجرد من المصالح الشخصية والأجندات السياسية الذي يقول صراحة، إن بعض دول العالم حاليا وفي هذه اللحظة تعاني شح إمدادات الوقود الأحفوري.
أوروبا حاليا تعاني شح الغاز الطبيعي الذي أدى إلى ارتفاع أسعاره إلى نحو 1000 في المائة خلال هذا العام، وأن كثيرا من المصانع تأثرت بذلك! هذا يطرح علينا سؤالا يجب التفكر فيه والتدبر من أجل مستقبل مستقر عالميا لا يعاني ويلات شح الطاقة وتخبط إمداداتها، هل شيطنة الوقود الأحفوري والسعي الحثيث لتقويضه وتقويض صناعته والاستثمار في أنشطته توجه صحيح؟ أعتقد أن ضعف الاستثمار في أنشطة النفط والغاز سيحدث فجوة كبيرة بين العرض والطلب في المستقبل القريب، وسيدفع بالأسعار إلى أرقام مرتفعة لن تتحملها جل الدول المستهلكة.
هذه الفجوة لن تستطيع مصادر الطاقة المتجددة سدها، وستكون متأخرة جدا زيادة إنتاج الوقود الأحفوري لتلبية الطلب واستقرار الأسعار عن مستويات مناسبة للمنتجين والمستهلكين.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.