.
.
.
.

أزمة الطاقة الحالية وتصحيح مسار أجندات قمة “COP26”

د. جمال عبدالرحمن العقاد

نشر في: آخر تحديث:

الفوضى الحاصلة التي سببتها أزمة نقص إمدادات الفحم والغاز الحالية لا يُعرف مدى تفاقم تداعياتها، ولكن من المؤكد أنها ستجعل اقتصادات العالم تتعامل مع الوضع بواقعية، فالعالم غير مستعد للرهان على اقتصاداته ومجتمعاته بسبب التطرّف الحاصل في تناول ملف التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة والذي يحتاج لإعادة نظر بتكاملية مصادر الطاقة دون محاربة لأي منها، ولا يُستبعد أن الحاصل سيكون له انعكاسات جادة على أجندة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP26) والذي سينعقد بداية شهر نوفمبر القادم في مدينة جلاسكو الأسكتلندية بالمملكة المتحدة.

الفحم والغاز يمثلون أكثر من ثلثي إمدادات توليد الكهرباء في العالم، ومع اقتراب فصل الشتاء تتنافس الاقتصادات في جميع أنحاء العالم على هذه الإمدادات المحدودة (نتيجة الدعوات المتكررة والتشريعات التي أثرت على الاستثمارات في مشاريع المنبع لهما لصالح مصادر الطاقة النظيفة)، مما جعل أسعار الغاز الطبيعي عند مستويات قياسية، والصين و أوروبا غارقتان في قلب هذا التدافع ما بين محدودية العرض وواقع مخزوناتهما المنخفضة، وفي ظل طلب عالمي عند أعلى مستوياته على الاطلاق، ومع واقع أن أوروبا تتخلص حاليا من محطات توليد الكهرباء النووية القديمة، فإن الإشارات تتزايد بأن أزمة طاقة عالمية تلوح في الأفق.

أزمة الغاز الحالية في أوروبا سببها نقص إمداداته لمحدودية توفره أمام طلب مرتفع على الغاز في توليد الكهرباء بنسبة قاربت على 8 % في الربع الأول من عام 2021 مقارنة بنفس الفترة في السنة السابقة، ومع قلق عالي من شتاء قارص هذا العام، لا يستبعد أن يؤثر على كفاءة مصادر الطاقة المتجددة إن كانت تستطيع تلبية تزايد الطلب على التدفئة.

أيضا، أوروبا أمام احتمالية تعميق اضطرابات في امدادات الغاز مستقبلا بسبب الانتعاش الاقتصادي في آسيا واحتياجاته المتزايدة للغاز الطبيعي المسال (LNG)، كما لا يمكن إهمال دور روسيا في الأزمة التي تحاول كسب الدعم الأوروبي المطلوب لموقفها لبدء التدفقات عبر خط أنابيب (Nord Stream 2)، وهذا سبب آخر يساهم في تعقيد الموقف، ولكن نبّه العديد من المحللين بأن تكريس اتهام أوروبا بأن روسيا هي السبب الرئيس لما يحصل من أزمة طاقة في أوروبا غير دقيق.

فروسيا في الأصل تعاني من شح الاستثمارات في تطوير أعمال المنبع والسعة الإنتاجية للغاز فيها وكذلك هو الحال في النرويج، كما أن روسيا مضطرة للحد من صادراتها من الغاز الطبيعي بسبب الطلب المحلي المتزايد داخلها والذي لا بد من تغطيته، ومع مسألة عدم وجود منظم لسوق الغاز عالميا، فهذا يساهم بشكل كبير في عدم استقرار الأسعار والامدادات.

وأثناء هذه الظروف العصيبة، يقع الإتحاد الاوروبي في حرج عالمي كبير جرّاء تداعيات فرض ضريبة الكربون على واردات الوقود الأحفوري والتي تشهد إمداداتها نقص كبير (الفحم والغاز)، وفي الجهة المقابلة يستميت لزيادة إمداداته منه.

أما الصين فهو أكبر مستهلك للفحم في العالم ودائما في حاجة ماسة إلى مزيد من الإمدادات، وبينما أسعار الفحم تقفز لأرقام خيالية، فالصين مستعد لدفع أي ثمن، خاصة أن 68 % من كهرباءه مصدره الفحم، ومع تفاقم أزمة إمدادات الطاقة فيه بحيث لم يعد بالإمكان إخفاء ‏حالات انقطاع الكهرباء المتكررة على بعض المدن الصينية، وحقيقة نسبة فقر طاقة يعاني منه أكثر من 65% من الشعب الصيني، فالصين بالفعل أمام أزمة طاقة حقيقية، وكذلك الحال في الهند.

وهناك دول صناعية أخرى بدأت التحضير لرفع أسعار الكهرباء على القطاعين الصناعي والسكني مثل كوريا الجنوبية والبرازيل، والولايات المتحدة تتخوف من أزمة غاز تحصل فيها، مما زاد من الضغط على وزارة الطاقة الأمريكية لمنع تصدير الغاز للخارج لضمان مستوى مخزونات آمنة في الداخل.

كل ذلك يستدعي أن تكون قمة (COP26) استثنائية لتصحيح مسار التحول إلى الطاقة النظيفة بدون احلال واقعي لمصادر الطاقة من الوقود الأحفوري، فالوضع ليس بالهزل ولا يمكن ترك الأمر لدعاة التطرف للصفر الكربوني اللذين لا يراعون التوازن المطلوب بين التحول وسلامة العالم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ولا السكوت على تقارير غير ناضجة تارة وبعيدة عن الواقعية تارة أخرى، مثل تقرير وكالة الطاقة الدولية – التي طالما كانت تضع نفسها في مواقف محرجة كعادتها – الصادر في مايو الفائت، والذي يوصي بأنه لا بد من التوقف عن الاستثمار في حقول مصادر الطاقة الأحفوري إذا كان العالم يريد الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

*نقلاً عن صحيفة "مال"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة