.
.
.
.

مركز أبحاث المدينة السعودية بعد "كورونا"

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

إحدى المسائل المهمة التي تثير اهتمام العالم في هذه الأيام هي ما سيكون عليه شكل المدن بعد جائحة "كوفيد 19"، هذا الاهتمام تحول إلى قضايا بحثية أساسية، تمثل قضايا الساعة التي تهتم بنشرها أعرق المجلات العالمية المتخصصة في الشؤون العمرانية. إحدى الدراسات التي تم نشرها مؤخراً تناولت شكل المدينة من الناحية التخطيطية وعلاقة هذا الشكل بسرعة انتشار الوباء داخل المدينة ووجدوا أن المدن الشريطية أقل قابلية لانتشار الأوبئة من المدن ذات التخطيط المركزي، ويبدو أن هذه النتيجة، غير المؤكدة والتي تحتاج إلى الكثير من البحث، تشير إلى أن هناك علاقة طردية بين انتشار الأوبئة وبين تخطيط المدن. وبصرف النظر عن شكل هذه العلاقة فإن الجائحة ستغير معالم التخطيط الحضري والعمراني، وسوف توجد صياغات معمارية جديدة ستغير من أنماط الحياة داخل المدن.

دراسة أخرى حاولت أن تبحث في علاقة الكثافة السكانية بانتشار الوباء داخل المدينة، وكانت النتيجة هي أن الكثافة السكانية ليست عاملاً مؤثراً، وهذا في حد ذاته أمر يثير الانتباه، فالمتوقع أن تلعب الكثافة دوراً مؤثراً في انتشار الوباء نتيجة لتقارب الناس، ولكن يبدو أن الدراسات تؤكد أن الكثافة إلى درجة محددة قد لا تكون مؤثرة، بل إن شكل المدينة الذي يجبر سكانها على التجمع في أماكن محددة هو الذي يزيد من انتشار الوباء. هذا ما توصلت له إحدى طالبات الدكتوراه في جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل حيث قامت بإجراء دراسة أولية على 4 مدن سعودية ووجدت أن مكة المكرمة ذات التخطيط المركزي هي أكثر المدن السعودية التي انتشر فيها الوباء بنسبة تزيد على 26 %. ويبدو هنا أن الكثافة السكانية هي كثافة مناطقية حول المسجد الحرام وهي المنطقة المؤثرة في المدينة بينما كثافة المدينة ككل ليست ذات تأثير. الرياض تأتي في المرتبة الثانية وهي مدينة مركزية ذات كثافات متعددة وتحتوى على أعلى عدد سكان بين المدن السعودية، لكن توضح الدراسة الاستطلاعية أن عدد السكان ليس عاملاً مؤثراً في انتشار الوباء، وهذه مسألة أخرى ملفتة للنظر تستحق منا الاهتمام.

في واقع الأمر لم أجد أي دراسة حتى الآن حول علاقة "كوفيد 19" بالمدينة السعودية، وربما تمثل هذه الدراسة الاستطلاعية التي قامت بها الطالبة التساؤل الأكاديمي الوحيد، مما يشير إلى غياب المؤسسات الأكاديمية في بلادنا عن قضايا الساعة المؤثرة. ورغم أن الجائحة مثلت قضية كونية تسابقت على دراسة تأثيرها كل المؤسسات العلمية في العالم، إلا أن هذا الموضوع، مثل كثير من المواضيع يعتبر غائباً عن منصة البحث والدراسة لدينا. حتى المؤسسات المسؤولة عن التخطيط العمراني لم تحرك ساكناً ولم تفكر في إجراء دراسات يمكن أن تجعل من المدن السعودية متكيفة مع الأزمات، وهذا ما تفعله كثير من مدن العالم في الوقت الراهن. هذا الغياب ليس جديداً، ولكن، في هذا الوقت بالذات ومع هذه الاستثمارات الطموحة التي ستصل إلى 27 تريليون ريال خلال السنوات القادمة يفترض أن نؤسس قاعدة معرفية بحثية وعلمية وطنية توجه هذه الاستثمارات وتقودها إلى الطريق الصحيح.

في اعتقادي لا يمكن الركون على الأمانات والبلديات في إدارة القضايا الملحة للمدينة، ويجب إبقاء هذه الأجهزة في إطارها التنفيذي البحت، وأرى أن تتحول هيئات تطوير المدن والمناطق إلى أجهزة تشريعية وبحثية بحيث تؤسس كل هيئة مركزاً لأبحاث العمران في كل منطقة، وهذا مقترح قديم كتبت حوله في هذه الصحيفة الغراء قبل عقدين تقريباً، ولكن الفكرة في ذلك الوقت من أجل إنشاء مركز وطني للعمران، وما زالت الفكرة مطلوبة وملحة، ولكن يمكن مرحلياً أن تتبنى هيئات المناطق مراكز بحثية للعمران بالتعاون مع جامعات المناطق، لا أعتقد أن الفكرة صعبة، بل إنه يمكن تنفيذها بشكل عاجل إذا ما توفرت الإرادة.

يجب أن نعي أن المدينة كائن ثقيل وحساس والأمراض المزمنة التي تصيبها يصعب علاجها، بل تتراكم مع الوقت وتثقل كاهل الاقتصاد الوطني وتزيد من الأعباء التي يتحملها ساكنوها. وبالتالي فإنه يفترض أن الجائحة التي ممرنا وما زلنا نمر بها تعلمنا كيف نعيد صياغة مدننا بشكل مختلف، وكيف نحول الأزمات داخلها إلى فرص، وهذا لا يتم بضخ المزيد من المشروعات فحسب بل من خلال تحويل المدينة إلى مختبر بحثي ومعرفي تتجدد فيها الأفكار وتدرس فيها التجارب لتتحول إلى دروس توجه المستقبل. المدينة السعودية بتمددها المعاصر وبالفرص الواعدة المتاحة لها في المستقبل تستحق أن تصبح مختبراً علمياً عملاقاً يساهم في تطوير المدن حول العالم.

* نقلا عن جريدة الرياض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.